دائماً من غير تحول ولا انتقال. وهذا المعنى المذكور هنا جاء موضحاً في مواضع أخر، كقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ [٣٥/٣٥] أي: الإقامة أبداً، وقوله: ﴿يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [١٨/٢-٣]، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ [٣٨/٥٤]، وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [١١/١٠٨]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على دوامهم فيها، ودوام نعيمها لهم. والحول: اسم مصدر بمعنى التحول.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾.
أمر جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يقول ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ أي لو كان ماء البحر مداداً للأقلام التي تكتب بها كلمات الله «لنفد البحر» أي فرغ وانتهى قبل أن تنفد كلمات ربيَ ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾، أي: ببحر آخر مثله مدداً، أي زيادة عليه. وقوله: «مددا» منصوب على التمييز، ويصح إعرابه حالاً. وقد زاد هذا المعنى إيضاحاً في سورة «لقمان» في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [٣١/٢٧]، وقد دلت هذه الآيات على أن كلماته تعالى لا نفاد لها سبحانه وتعالى علواً كبيراً.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. أمر جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يقول للناس: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [١٨/١١٠]، أي: لا أقول لكم إني ملك ولا غير بشر، بل أنا بشر مثلكم أي بشر من جنس البشر، إلا أن الله تعالى فضلني وخصني بما أوحى إلي من توحيده وشرعه. وقوله: هنا ﴿يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي فوحدوه ولا تشركوا به غيره. وهذا الذي بينه تعالى في هذه الآية. أوضحه في مواضع أخر. كقوله: في أول «فصّلت»: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ [١٧/٩٣]، وقوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ...﴾