كالميمون.
وقد علمت مما قررنا أن قوله: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ [١٧/٢٨]، متعلق بفعل الشرط الذي هو ﴿تُعْرِضَنَّ﴾، لا بجزاء الشرط.
وأجاز الزمخشري في الكشاف تعلقه بالجزاء وتقديمه عليه. ومعنى ذلك: فقل لهم قولاً ميسوراً ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ؛ أي: يسر عليهم والطف بهم. لابتغائك بذلك رحمة الله. ورد ذلك عليه أبو حيان في البحر المحيط بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبله. قال: لا يجوز في قولك إن يقم فاضرب خالداً ـ أن تقول: إن يقم خالداً فاضرب. وهذا منصوص عليه ـ انتهى.
وعن سعيد بن جبير رحمه الله: أن الضمير في قوله ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ [١٧/٢٨]، راجع للكفار. أي إن تعرض عن الكفار ابتغاء رحمة من ربك، أي نصر لك عليهم، أو هداية من الله لهم. وعلى هذا فالقول الميسور: المداراة باللسان. قاله أبو سليمان الدمشقي، انتهى من البحر. ويسر بالتخفيف يكون لازماً ومتعدياً، وميسور من المتعدي. تقول: يسرت لك كذا إذا أعددته. قاله أبو حيان أيضاً.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من قتل مظلوماً فقد جعل الله لوليه سلطاناً، ونهاه عن الإسراف في القتل، ووعده بأنه منصور.
والنهي عن الإسراف في القتل هنا شامل ثلاث صور:
الأولى: أن يقتل اثنين أو أكثر بواحد، كما كانت العرب تفعله في الجاهلية. كقول مهلهل بن ربيعة لما قتل بجير بن الحارث بن عباد في حرب البسوس المشهورة: بؤبشسع نعل كليب. فغضب الحارث بن عباد، وقال قصيدته المشهورة:
قربا مربط النعامة مني | لقحت حرب وائل عن حيال |
قربا مربط النعامة مني | إن بيع الكرام بالشسع غالي ـ الخ |
وقال مهلهل أيضاً:كل قتيل في كليب غره | حتى ينال القتل آل مره |
ومعلوم أن قتل جماعة بواحد لم يشتركوا في قتله: إسراف في القتل داخل في النهي المذكور في الآية الكريمة.