هذا المعنى بقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ فقوله ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي أن اصنع دروعاً سابغات من الحديد الذي ألناه لك. والسرد: نسج الدرع. ويقال فيه الزرد، ومن الأول قول أبي ذؤيب الهذلي:
| وعليهما مسرودتان قضاهما | داود أو صنع السوابغ تبع |
ومن الثاني قول الآخر:| نقريهم لهذميات نقد بها | ما كان خاط عليهم كل زراد |
ومراده بالزراد: ناسج الدرع. وقوله
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي اجعل الحلق والمسامير في نسجك الدرع بأقدار متناسبة. فلا تجعل المسمار دقيقاً لئلا ينكسر، ولا يشد بعض الحلق ببعض، ولا تجعله غليظاً غلظاً زائداً فيفصم الحلقة. وإذا عرفت أن اللبوس في الآية الدروع فاعلم أن العرب تطلق اللبوس على الدروع كما في الآية. ومنه قول الشاعر:
| عليها أسود ضاويات لبوسهم | سوابغ بيض لا يخرقها النبل |
فقوله "سوابغ" أي دروع سوابغ، وقول كعب بن زهير:
| شم العرانيين أبطال لبوسهم | من نسج داود في الهيجا سرابيل |
ومراده باللبوس التي عبر عنها بالسرابيل: الدروع. والعرب تطلق اللبوس أيضاً على جميع السلاح درعاً كان أو جوشناً أو سيفاً أو رمحاً. ومن إطلاقه على الرمح قول أبي كبير الهذلي يصف رمحاً:
| ومعي لبوس للبئيس كأنه | روق بجبهة نعاج مجفل |
وتطلق اللبوس أيضاً على كل ما يلبس. ومنه قول بيهس:
| البس كل حالة لبوسها | إما نعيمها وإما بوسها |
وما ذكره هنا من الامتنان على الخلق بتعليمه صنعة الدروع ليقيهم بها من بأس السلاح تقديم إيضاحه في سورة "النحل" في الكلام على قوله تعالى
﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة:
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ الظاهر فيه أن صيغة الاستفهام هنا يراد بها الأمر، ومن إطلاق الاستفهام بمعنى الأمر في القرآن قوله