هذا على أن المراد بأصحاب النَّبي ﷺ الذين لم يطوفوا إلا طوافاً واحداً للعمرة والحج، خصوص القارنين منهم، كالنَّبي صلى الله عليه وسلم، لأنه كان قارناً بلا شك، وإن حمل حديث جابر على هذا كان موافقاً لحديث عائشة، وحديث ابن عباس المتقدمين، وهذا واضح كما ترى. قال في مراقي السعود:
| والجمع واجب متى ما أمكنا | إلا فللأخير نسخ بينا |
الجواب الثاني: أنا لو سلمنا أن الجمع غير ممكن هنا في حديث جابر المذكور مع حديث عائشة، وحديث ابن عباس كما جاء في بعض الروايات، عن جابر عند مسلم بلفظ، لا يمكن فيه الجمع المذكور، وذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يكن معه هديٌ فَلْيَحِلْلْ"، قال: قلنا: أيُّ الحِلِّ؟ قال: "الحِلُّ كُلُّهُ". قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب وَمِسْنَا الطِّيبَ، فلما كان يوم التَّرْوِيَةِ أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر، كُلُّ سبعة منا في بَدَنَةٍ. انتهى.
ولفظ جابر في حديث مسلم هذا في هذه الرواية، لا يمكن حمله على القارنين بحال، لأنه صرح بأنهم حلوا الحل كله، وأتوا النساء ولبسوا الثياب ومسوا الطيب، وأنهم أهلوا يوم التروية بحج، ومع هذا كله صرح بأنهم كفاهم طوافهم الأول بين الصفا والمروة، فإن حديث جابر ينفي طواف المتمتع بعد رجوعه من منى، وحديث عائشة وحديث ابن عباس يثبتانه.
وقد تقرر في الأصول وعلوم الحديث أن المثبت مقدم على النافي، فيجب تقديم حديث ابن عباس وعائشة، لأنهما مثبتان على حديث جابر النافي.
الجواب الثالث: أن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في الصحيح رواه جابر وحده، وطوافه بعد رجوعه من منى رواه في الصحيح ابن عباس، وعائشة، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد.