فإن قيل: وضوءه ﷺ المذكور في هذا الحديث فعل مطلق، وهو لا يدل على الوجوب: فضلاً عن كونه شرطاً في الطواف.
فالجواب: أن وضوءه لطوافه المذكور في هذا الحديث، قد دل دليلان على أنه لازم، لا بد منه.
أحدهما: أنه ﷺ قال في حجة الوداع: "خذوا عني مناسككم" وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالاً لأمره في قوله: " خذوا عني مناسككم".
والدليل الثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتى به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وقد تقرر في الأصول أن فعل النَّبي ﷺ إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم. ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع، لأن قطع النَّبي ﷺ للسارق من الكوع بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب.
قال صاحب الضياء اللامع في شرح قول صاحب جمع الجوامع: ووقوعه بياناً ما نصه: الثاني: أن يكون فعله ﷺ لبيان مجمل، إما بقرينة حال مثل القطع من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ وإما بقول كقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فإن الصلاة فرضت على الجملة، ولم تبين صفاتها فبينها بفعله وأخبر بقوله: أن ذلك الفعل بيان، وكذا قوله: "خذوا عني مناسككم" وحكم هذا القسم وجوب الاتباع انتهى. محل الغرض منه.
وأشار في مراقي السعود: إلى أن فعله ﷺ الواقع لبيان مجمل من كتاب الله إن كان المبين بصيغة اسم المفعول واجباً فالفعل المبين له بصيغة اسم الفاعل واجب بقوله:
| من غير تخصيص وبالنص يرى | وبالبيان وامتثال ظهرا |