استأنس وزال عنه الاستيحاش، ولما كان الاستئناس لازما للإذن أطلق اللازم، وأريد ملزومه الذي هو الإذن، وإطلاق اللازم، وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف، والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل، وعلى أن هذه الآية أطلق فيها اللازم الذي هو الاستئناس وأريد ملزومه الذي هو الإذن يصير المعنى: حتى تستأذنوا، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقوله تعالى بعده: ﴿فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، وقال الزمخشري في هذا الوجه بعد أن ذكره: وهذا من قبيل الكناية، والإرداف، لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن فوضع موضع الإذن.
الوجه الثاني في الآية: هو أن يكون الاستئناس بمعنى الاستعلام، والاستكشاف. فهو استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا أو علمه.
والمعنى: حتى تستعملوا وتستكشفوا الحال، هل يؤذن لكم أو لا؟ وتقول العرب: استئنس هل ترى أحدا، واستأنست فلم أر أحدا، أي تعرفت واستعلمت، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] أي علمتم رشدهم وظهر لكم. وقوله تعالى عن موسى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: ١٠] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً﴾ [القصص: ٢٩] فمعنى آنس نارا: رآها مكشوفة. ومن هذا المعنى قول نابغة ذبيان:
| كأن رحلى وقد زال النهار بنا | بذي الجليل على مستأنس وحد |
| من وحش وجرة موشى أكارعه | طاوى المصير كيف الصيقل الفرد |
فقوله على مستأنس يعني: حمار وحش شبه به ناقته، ومعنى كونه مستأنسا أنه يستكشف، ويستعمل القانصين بشمه ريحهم وحدة بصره في نظره إليهم. ومنه أيضا قول الحرث بن حلزمة اليشكري: يصف نعامة شبه بها ناقته:
| آنست نبأة وأفزعها القنا | ص عصرا وقد دنا الإمساء |
فقوله: آنست نبأة: أي أحست بصوت خفي، وهذا الوجه الذي هو أن معنى تستأنسوا تستكشفوا وتستعلوا، هل يؤذن لكم وذلك الاستعلام والاستكشاف إنما يكون