قال الحرالي : وكان إقراره بلفظه أدباً وإذعاناً لقيام حجة الله على عباده بما أنبأ عنه من قوله :﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ [الأعراف : ٢٣] الآية، وهذه توبة قلب وعمل لا ينقص مخصوص حال القلب منها ناقض وهي التوبة النصوح التي تبرئ من الذنب بتحقيق توحيد القلب وتوجب تكفير الخطايا الظاهرة التي لا أصل لها في القلب من حجاب دعوى في الأفعال وشرك في امر الله، فبمقتضى ما في باطنه ظهر فيه اسمه الرحيم الذي هو من الرحمة وهو اختصاص فضله بالمؤمن، وبمقتضى ما ظهر عليه من الضراعة والإقرار ظهر فيه مقتضى اسمه التواب ؛ فجمعت توبته الأمرين - انتهى.
ولما أعلموا بالعداوة اللازمة كان كأنه قيل : فما وجه الخلاص منها ؟ فقيل : اتباع شرعنا المشروع للتوبة والرحمة فإنا ﴿قلنا﴾ كما تقدم ﴿اهبطوا﴾ ولما كان الهبوط الماضي يحتمل أن يكون من مكان من الجنة إلى أدنى منه ولم يخرجوا منها فكرره هنا للتأكيد تصويراً لشؤم المعصية وتبشيعاً لها قال :﴿منها﴾ أي الجنة ﴿جميعاً﴾ أي لا يتخلف منكم أحد سواء كان ذلك قِران واحد أو على التعاقب، وعهدنا إليهم عند الهبوط إلى دار التكليف أنا نأتيهم بالهدى ليؤديهم إلى الجنة مرة أخرى واعدين من اتبع متوعدين من امتنع فقلنا :﴿فإما يأتينكم﴾، وقال الحرالي : مورد هذه الآية بغير عطف إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم يتقدمه إيجاء بباطن كما تقدم في السابقة، وتكرر الإهباطان
١٠٨
من حيث إن الأول إهباط لمعنى القرار في الدنيا والاغتذاء فيها وذرء الذرية وأعمال أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس، وهذا الإهباط الثاني إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية التي كانت خفية في أمر آدم ظاهرة في أمر إبليس، وفي قوله :﴿جميعاً﴾ إشعار بكثرة ذرء الخلقين وكثرة الأحداث في أمر الديانة من النقلين - انتهى.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠٥