﴿فتقبل مني﴾ ولما كان حسن إجابة المهتوف به الملتجأ إليه على حسب إحاطة سمعه وعلمه عللت سؤالها في التقبل بأن قصرت السمع والعلم عليه سبحانه فقالت :﴿إنك أنت﴾ أي وحدك ﴿السميع العليم*﴾ فقالت كما قال سلفها إبراهيم وإسماعيل عليهام الصلاة والسلام ﴿ربنا تقبل منا﴾ [البقرة : ١٢٧]، أي فلا يسمع أحد قولي مثل سمعك، ولا يعلم أحد نيتي مثل علمك ولا أنا، فإن كان فيهما شيء لا يصلح فتجاوز عنه.
٧٠
ولما أخبر بما اقتضى مضى عزمها قبل الوضع أخبر بتحقيقه بعده فقال :﴿فلما وضعتها قالت﴾ أي تحسراً ذاكرة وصف الإحسان استمطاراً للامتنان ﴿رب إني وضعتها﴾ قال الحرالي : من الوضع وهو إلقاء الشيء المستثقل ﴿أنثى﴾ هي أدنى زوجي الحيوان المتناكح - انتهى.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٦٦
ولما كان الإخبار عادة إنما هو لمن لا يعلم الخبر بينت أن أمر الله سبحانه وتعالى ليس كذلك، لأن المقصود بإخباره ليس مضمون الخبر وإنام هو شيء من لوازمه وهنا التحسر فقالت :﴿والله﴾ أي الذي له صفات الكمال.
ولما كان المراد التعجيب من هذه المولودة بأنها من خوارق العادات عبرت عنها بما فقالت :﴿أعلم بما وضعت﴾ وعبرت بالاسم الأعظم موضع ضمير الخطاب إشارة إلى السؤال في أن يهبها من كماله ويرزقها من هيبته وجلاله، وفي قراءة إسكان التاء الذي هو إخبار من الله سبحانه وتعالى عنها - كما قال الحرالي - إلاحة معنى أن مريم عليها الصلاة والسلام وإن كان ظاهرها الأنوثة ففيها حقيقة المعنى الذي ألحقها بالرجال في الكمال، حتى كانت ممن كانت ممن كمل من النساء لما لا يصل إليه كثير من رجال عالمها، فكان في إشعاره أن الموضوع كان ظاهره ذكراً وحقيقته أنثى.


الصفحة التالية
Icon