ولما كان هذا عناداً منهم ظاهراً بعد وضوح المر بما أقام على صدق رسله من البينات، كان كأنه قيل تعجباً منهم : هل فعل أحد غيرهم مثل فعلهم هذا أو قال مثل ما قالوا ؟ فقيل : نعم ﴿كذلك﴾ أي مثل ذلك التكذيب البعيد عن الصواب ﴿كذب الذين﴾ ولما لم يكن التكذيب عاماً أدخل الجار فقال :﴿من قبلهم﴾ من الأمم الخالية بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثاً، فكانت دعوى الأنبياء باطلة، وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام ومِلكه عام، فهو لا يسأل عما يفعل، وتمادى بهم غرور التكذيب ﴿حتى ذاقوا بأسنا﴾ أي عذابنا لما لنا من العظمة، فإن من له الأمر كله لا يسأل عما يفعل، فلم ينفعهم عنادهم عند ذوق البأس، بل انحلت عزائم همهم فخضعوا لنا وآمنوا برسلنا، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، فالآية من الاحتباك : أثبت أولاً الإشراك دليلاً على حذفه ثانياً، وثانياً التكذيب دليلاً على حذفه أولاً، وسيأتي توجيه أنه لا بد من تضليل إحدى الطائفتين المتعاندتين وإن كان الكل بمشيئة الله، لأنه لا مانع من إتيان الأمر على خلاف الإرادة.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٧٣٦