ولما أوصى بالسبب في الوجود، نهى عن التسبب في الإعدام وبدأ بأشده فقال :﴿ولا تقتلوا أولادكم﴾ ولما كان النهي عاماً، وكان ربما وجب على الولد قتل، خص لبيان الجهة فقال :﴿من إملاق﴾ أي من أجل فقر حاصل بكم، ثم علل ذلك، ولأجل أن الظاهر هو حصول الفقر قدم الآباء فقال :﴿نحن نرزقكم﴾ بالخطاب، أي أيها الفقراء، ثم عطف عليه الأبناء فقال :﴿وإياهم﴾ وظاهر قوله في الإسراء ﴿خشية إملاق﴾ [الإسراء : ٣١] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام الأبناء الفقر، فبدأ بالأولاد فقال :" نحن نرزقهم " ثم عطف الآباء فقال " وإياكم " - نبه عليه أبو حيان.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٧٤٠
ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد الشرك، أتبعه النهي عن مطلق الفواحش، وهي ما غلظت قباحته، وعظم أمرها بالنهي عن القربان فضلاً عن الغشيان فقال :﴿ولا تقربوا الفواحش﴾ ثم أبدل منها تأكيداً للتعميم قوله :﴿ما ظهر منها﴾ أي الفواحش ﴿وما بطن﴾ ثم صرح منها بمطلق القتل تعظيماً له بالتخصيص بعد التعميم فقال :﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله﴾ أي الملك الأعلى عليكم قتلها ﴿إلا بالحق﴾ أي الكامل، ولا يكون كاملاً غلا وهو كالشمس وضوحاً لا شبهة فيه، فصار قتل الولد منهياً عنه ثلاث مرات ؛ ثم أكد المذكور بقوله :﴿ذلكم﴾ أي الأمر العظيم في هذه المذكورات.
ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس، ختمها بما لا يقوله إلا المحب
٧٤١
الشفوق ليتقبلها القلب فقال :﴿وصّاكم به﴾ أمراً ونهياً ؛ ولما كانت هذه الأشياء لعظيم خطرها وجلالة وقعها في النفوس لا تحتاج إلى مزيد فكر قال :﴿لعلكم تعقلون *﴾ أي لتكونوا على رجاء من المشي على منهاج العقلاء، فعلم من ذكر الوصية أن هذه المذكورات هي الموصى بها والمحرمات أضدادها، فصار شأنها مؤكداً من وجهين : التصريح بالتوصية بها، والنهي عن أضدادها.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٧٤٠


الصفحة التالية
Icon