ولما كان الحشر متراخياً عن ذلك كله في الرتبة وفي الزمان، لا تبلغ كنه عظمته العقول، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي والتنبيه بقوله :﴿ثم﴾ بعد استيفاء ما ضرب لهم من الآجال ﴿ينبئهم﴾ أي تنبئة عظيمة جليلة مستقصاة بعد أن يحشرهم إليه داخرين ﴿بما كانوا﴾ أي جبلة وطبعاص ﴿يفعلون *﴾ أي من تلك الأشياء القبيحة التي كان لهم إليها أتم داعية غير متوقفين في إصدارها على علم مع ادعاء التدين بها، والآية - مع ما تقدم من مقتضياتها - تعليل لقوله ﴿ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام : ١٥٣].
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٧٤٨
ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه، كان كأنه قيل : فماذا يفعل بهم حينئذ ؟ فأجيب بقوله :﴿من جاء﴾ ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه، كان كأنه قيل : فماذا يفعل بهم حينئذ ؟ فأجيب بقوله :﴿من جاء﴾ أي منهم أو من غيرهم ﴿بالحسنة﴾ أي الكاملة بكونها على أساس الإيمان ﴿فله﴾ من الحسنات ﴿عشر أمثالها﴾ كرماً وإحساناً وجوداً ومتناناً، يجازيه بذلك في الدنيا أو في الآخرة، وهذا المحقق لكل أحد ويزداد البعض وضوحاً بحسب النيات، وذكر العشر، لأنه بمعنى الحسنة، وهو مضاف إلى ضميرها.
ولما تضمن قوله ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط﴾ [الأنعام : ١٥٣] مع تعقيبه بقوله ﴿لا نكلف نفساً إلاّ وسعها﴾ [الأنعام : ١٥٢] الإشارة إلى أن المساواة في الجزاء مما ينقطع دونه أعناق الخلق، أخبر أن ذلك عليه هين لأن عمله شامل وقدرته كاملة بقوله :﴿ومن جاء بالسيئة﴾ أي أيّ شيء كان من هذا الجنس ﴿فلا يجزى﴾ أي في الدارين ﴿إلا مثلها﴾ إذا جوزي، ويعفو عن كثير.


الصفحة التالية
Icon