ولما فرغ مما للكافل بعد ما نوه بأمر المكفولة بياناً لاستجابة الدعاء من أمها لها أعاد الإشارة بذكرها والإعلام بعلي قدرها فقال عاطفاً على ما تقديره : هذا ما للكافل فاذكره لهم فإنهم لا يشكون معه في نبوتك :﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قالت الملائكة﴾ وعبر بالجمع والمراد جبريل وحده عليه الصلاة والسلام كما في سورة مريم عليها السلام لتهيئها لخطاب كل منهم كما مضى ﴿يا مريم إن الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿اصفطاك﴾ أي اختارك في نفسك، لا بالنظر إلى شيء آخر عما يشين بعض من هو ي نفسه خيار ﴿وطهرك﴾ أي عن كل دنس ﴿واصطفاك﴾ أي اصطفاء خاصاً ﴿على نساء العالمين*﴾ الاصطفاء الأول العبراني إلى اصطفاء على عربي حتى أنكحت من محمد ﷺ النبي العربي ؛ قال ﷺ لخديجة رضي الله عنها :"أما شعرت أن الله سبحانه وتعالى زوجني معك مريم بنت عمران" - انتهى.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٧٦
ولما أخبرها سبحانه وتعالى بما اختصها به أمرها بالشكر فقال :﴿يا مريم اقنتي﴾ أي أخلصي أفعالك للعبادة ﴿لربك﴾ الذي عودك الإحسان بأن رباك هذه التربية.
ولما قدم الإخلاص الذي هو روح العبادة أتبعه أشرفها فقال :﴿واسجدي﴾ فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
قال الحرالي : وكان من اختصاص هذا الاصطفاء العلي - أي الثاني - ما اختصها من الخطاب بالركوع الذي لحقت به بهذه الأمة الراكعة التي أطلعها الله سبحانه وتعالى من سر عظمته التي هي إزاره على ما لم يطلع عليه أحداً ممن سواها في قوله :﴿واركعي مع الراكعين*﴾ كما قال لبني إسرائيل عند الأمر بالملة المحمدية ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة : ٤٣] - إلى ما يقع من كمال ما بشرت به حيث يكلم الناس كهلاً في خاتمة اليوم المحمدي، ويكمل له الوجود الإنساني حيث
٧٩