ولما كان الدليل العقلي واضحاً في ذلك ختم الآية بقوله منكراً عليهم ﴿أفلا تعقلون *﴾ أي هب أنكم لبستم وادعيتم أن ذلك في كتابكم زوراً وبهتاناً، وظننتم أن ذلك يخفى على من لا إلمام له بكتابكم، فكيف غفلتم عن البرهان العقلي! ثم استأنف
١١٠
تبكيتاً آخر فقال منبهاً لهم مكرراً النبيه إشارة إلى طول رقادهم أو شدة عنادهم :﴿هاأنتم هؤلاء﴾ أي الأشخاص الحمقى، ثم بين ذلك بقوله :﴿حاججتم﴾ أي قصدتم مغالبة من يقصد الرد عليكم ﴿فيما لكم به علم﴾ أي نوع من العلم من أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لذكر كل منهما في كتابكم وإن كان جدالكم فيهما على خلاف ما تعلمون من أ ؛ والهما عناداً أو طغياناً ﴿فلم تحاجون﴾ أي تغالبون بما تزعمون أنه حجة، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة فضلاً عن أن يكون حجة ﴿فيما ليس لكم به علم﴾ اصلاً، لكونه لا ذكر له في كتابكم بما حاججتم فيه مع مخالفته لصريح العقل ﴿والله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿يعلم﴾ أي وأنتم تعلمون أن مجادلتكم في الحقيقة إنما هي مع الله سبحانه وتعالى، وتعلمون أن علمه محيط بجميع ما جادلتم فيه ﴿وأنتم﴾ أي وتعلمون أنكم أنتم ﴿لا تعلمون *﴾ أي ليس لكم علم أصلاً إلا ما علمكم الله سبحانه وتعالى، هذا على تقدير كون " ها " في " ها أنتم " للتنبيه، ونقل شيخنا ابن الجزري في كتابه " النشر في القراءات العشر " عن أبي عمرو بن العلاء وعن أبي الحسن الأخفش أنها بدل من همزة، وروي عن أبي حمدون عن اليزيدي أن أبا عمرو قال : وإنما هي ﴿أأنتم﴾ ممدودة، فجعلوا الهمزة هاء، والعرب تفعل هذا، فعلى هذا التقيدر يكون استفهاماً معناه التعجيب منهم والتوبيخ لهم.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٠٩


الصفحة التالية
Icon