ولما مضى تقسيمهم إلى أمين وخائن استأنف بشارة الأول ونذارة الثاني على وجه عام لهم ولغيرهم لتحريم الخيانة في كل شرع في حق كل أحد منهما، إن الله يبغض الخائن فقال :﴿من أوفى بعهده﴾ في الدين والدنيا ﴿واتقى﴾ أي كائناً من كان ﴿فإن الله﴾ ذا الجلال والإكرام يحبه، هكذا الأصل، لكنه أظهر الوصف لتعليق الحكم به وإشعاراً بأنه العلة الحامخلة له على الأمانة فقال :﴿يحب المتقين*﴾ ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة رواغة عند مضائق الأمانة، وكانت الخيانة تجر إلى الكذب بسط في الإنذار فقال :﴿إن الذين يشترون﴾ أي يلجون في أن يأخذوا على وجه العوض ﴿بعهد الله﴾ أي الذي عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول الذي عاهدهم على الإيمان به وذكر صفته للناس، وهو سبحانه أعلى وأعز من كل شيء فهو
١١٥
محيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿وأيمانهم﴾ أي التي عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل ﴿ثمناً قليلاً﴾ في الدنيا ﴿أولئك﴾ أي البعيدو الرتبة في الدناءة ﴿لا خلاق﴾ أي نصيب ﴿لهم في الآخرة﴾ أي لبيعهم له بنصيب الدنيا ﴿ولا يكلمهم الله﴾ أي الملك الأعظم استهانة بهم وغضباً عليهم بما انتهكوا من حرمته.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٠٩
ولما زادت هذه عن آية البقرة العهد والحلف، وكان من عادة الحالف والمعاهد النظر إلى من فعل ذلك لأجله زاد قوله :﴿ولا ينظر إليهم﴾ أي بل يعدهم أحقر شيء بما أعرضوا عنه، ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال :﴿يوم القيامة﴾ الذي من افتضح في جمعه لم يفز ﴿ولا يزكيهم﴾ لأنهم لم يزكوا اسمه ﴿ولهم﴾ أي مع ذلك ﴿عذاب أليم *﴾ يعرفون به ما جهلوا من عظمته.