ولما ذكر ما لا يكون له أتبعه ما له فقال :﴿ولكن﴾ أي يقول ﴿كونوا ربانيين﴾ أي تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل، والألف والنون زيدتا للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم اللدني، فإن الرباني هو الشديد التمسك بدين الله سبحانه وتعالى وطاعته، قال محمد بن الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنها لما مات : مات رباني هذه الأمة :﴿بما كنتم تعلمون الكتاب﴾ أي بسبب كونكم عالمين به معلمين له ﴿وبما كنتم تدرسون *﴾ فإن فائدة الدرس العلم، وفائدة العلم العمل، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١١٧
ولما نفي أن يكون الحكيم من البشر داعياً إلى نفسه وأثبت أنه يكون ولا بد داعياً إلى الله سبحانه وتعالى لتظهر حكمته أثبت أن ذلك لا بد وأن يكون على وجه الإخلاص، لأن بعض الشياطين يحكم مكره بإبعاد التهمة عن نفسه بالدعاء إلى إلى غيره على وجه الشرك لا سيما إن كان ذلك الغير ربانياً كعيسى عليه الصلاة والسلام فقال :﴿ولا يأمركم﴾ أي ذلك البشر ﴿أن تتخذوا﴾ أتى بصيغة الافتعال إيذاناً بأن الفطر مجبولة على التوجه لله سبحانه وتعالى من غير كلفة ﴿الملائكة والنبيين﴾ فضلاً عن غيرهم ﴿أرباباً﴾
١١٨
أي مع الله سبحانه وتعالى من دونه، ثم بين أن كل عبادة كان فيها أدنى شائبة فهي باطلة بقوله على طريق الإنكار تبرئة لعبادة الخلص من مثل ذلك :﴿أيأمركم بالكفر﴾ إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى غني، لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه ﴿بعد إذ أنتم مسلمون *﴾ أي منقادون لأحكامه، أو متهيئون للتوحيد على عليّ الفطرة الأولى.