ولما أخبر سبحانه وتعالى بخسارة من ارتد عن الإسلام شرع يستدل على استحقاقه لذلك بقوله :﴿كيف يهدي الله﴾ مع ما له من كمال العظمة ﴿قوماً﴾ أي يخلق الهداية في قلوب ناس بهم قوة المحاولة لما يريدونه ﴿كفروا﴾ ي أوقعوا الكفر بالله ربهم وبما ذكر مما أتت به رسله إعراضاَ عنه وعنهم، ولما كان المقصود بكمال الذم من استمر كفره إلى الموت قال من غير جار :﴿بعد إيمانهم﴾ بذلك كله ﴿وشهدوا﴾ أي وبعد أن شهدوا ﴿أن الرسول حق﴾ بما عنهم من العلم به ﴿وجاءهم البينات﴾ أي القاطعة بأن حق وأنه رسول الله قطعاً، لا شيء أقوى من بيانه ولا أشد من ظهوره بما أشعر به إسقاط تاء التأنيث من جاء.
١٢١
ولما كان الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى في الغالب عوده كان الاستبعاد بكيف موضحاً لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد : أولئك لا يهديهم الله لظلمهم بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله سبحانه وتعالى المؤكد بواسطة رسله موضع ثمرة العلم، فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره قوله :﴿والله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿لا يهدي القوم الظالمين *﴾ أي الغريقين في الظلم لكونه جبلهم على ذلك، تحذيراً من مطلق الظلم، ولما علمت بشاعة خيانتهم تشوف السامع إلى معرفة جزائهم فقال :﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿جزاؤهم أن عليهم لعنة الله﴾ أي الملك الأعظم، وهي غضبه وطرده ﴿والملائكة والناس أجمعين *﴾ حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم، فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظاناً أنه ليس بكافر، وهذا اللعن واقع عليهم حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء في غير محله، فصار كل من له علم يبعدهم لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيء، حذراً من فعل مثل ذلك معه ﴿خالدين فيها﴾ أي اللعنة دائماً.
ولما كان المقيم في الشدة قد تنقص شدته على طول نفي ذلك بقوله :﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ مفيداً ان عليهم مع مطلق الشدة بالطرد شدائد أخرى بالعقوبة.


الصفحة التالية
Icon