ولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم الجامع إحاطة الأمر بالكل أكده بقوله :﴿جميعاً﴾ لا تدعوا أحداً منكم يشذ عنها، بل كلما عثرتم على أحد فارقها ولو قيد شبر فردوه إليها ولا تناظروه ولا تهملوا أمره، ولا تغفلو عنه فيختل النظام، وتتعبوا على الدوام، بل تزالوا كالرابط ربطاً شديداً حزمة نبل بحبل، لا يدع واحدة منها تنفرد عن الأخرى، ثم أكد ذلك بقوله :﴿ولا تفرقوا﴾ ثم ذكرهم نعمة الاجتماع، لأن ذلك باعث على شكرها، وهو باعث على إدامة الاعتصام ولاتقوى، وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس الأخروية فقال :﴿واذكروا نعمة الله﴾ الذي له الكمال كله ﴿عليكم﴾ يا من اعتصم بعصام الدين! ﴿إذا كنتم أعداء﴾ متنافرين أشد تنافر ﴿فألف بين قلوبكم﴾ بالجمع على هذا الصراط القويم والمنهج العظيم ﴿فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ قد نزع ما في قلوبكم من الإحن، وأزال تلك الفتن والمحن.
ولما ذكر النعمةت التي أنقذتهم من هلاك الدنيا ثنى بما تبع ذلك من نعمة الدين التي
١٣١
عصمت من الهلاك الأبدي فقال :﴿وكنتم على شفا﴾ أي حرف وطرف ﴿حفرة من النار﴾ بما كنتم فيه من الجاهلية ﴿فأنقذكم منها﴾ ولما تم هذا البيان على هذا الأسلوب الغريب نبه على ذلك بقوله - جواباً لمن يقول : لله در هذا البيان! ما أغربه من بيان! - ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا البيان البعيد المنال البديع المثال ﴿يبين الله﴾ المحيط علمه الشاملة قدرته بعظمته ﴿لكم آيته﴾ وعظم الأمر بتخصيصهم به وإضافة الآي إليه.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٢٥
ولما كان السياق لبيان دقائق الكفار في إرادة إضلالهم ختم الآية بقوله :﴿لعلكم تهتدون *﴾ أي ليكون حالكم عند من ينظركم حال من ترجى وتتوقع هدايته، هذا الترجي حالكم فيما بينكم، وأما هو سبحانه وتالى فقد أحاط علمه بالسعيد ولاشقي، ثم الأمر إليه، فمن شاء هداه، ومن أراد أراده.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٢٥