ولما حازت هذه الآية من التهذيب وإحكام الترتيب وحسن السياق قصب السباق أشار إليها مع قربها بأداة البعد وأضافها إلى أعظم أسمائه فقال :﴿اتلك آيات الله﴾ أي هذه دلائل الملك الأعظم العالية الرتب البعيدة المتناول، ثم استأنف الخبر عنها في مظهر العظمة قائلاً :﴿نتلوها﴾ أي نلازم قصها، وزاد في تعظيمها بعد المبتدأ بالمنتهي فقال :﴿عليك﴾ ثم أكد ذلك بقوله :﴿بالحق﴾ أي ثابتة المعاني راسخة المقاصد صادقة الأقوال في كل مما أخبرت به من فوزكم وهلاكهم من غير أن نظلم أحداً منهم ﴿وما الله﴾ أي الحائز لجميع الكمال ﴿يريد ظلماً﴾ قلَّ أو جلَّ ﴿للعالمين *﴾ أي ما ظلمهم ولا يريد ظلم أحد منهم، لأنه سبحانه وتعالى متعالٍ عن ذلك، لا يتصور منه وهو غني عنه، لأن له كل شيء.
ولما كان أمرهم بالإقبال عليه ونهيهم عن الإعراض عنه ربما أوقع في وهم أنه غير قادر على ضبطهم أو محتاج إلى ربطهم أزال ذلك دالاً على أنه غني عن الظلم بقوله :﴿ولله﴾ الملك الأعلى ﴿ما﴾ أي كل شيء ﴿في السموات و﴾ كل ﴿ما ي الأرض﴾ من جوهر وعرض مٍلكاً ومُلكاً.
ولما كان المقصود سعة الملك لم يضمر لئلا يظن تخصيص الثاني بما في حيز الأول فقال :﴿وإلى الله﴾ الذي لا أمر لأحد معه
١٣٤
﴿ترجع الأمور﴾ أي كلها، التي فيهما والتي في غيرهما، فلا داعي له إلى الظلم، لأنه غني عن كل شيء وقادر على كل شيء.
ولما كان من رجوع الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - مادحاً لهذه الأمة ليمنعوا في رضاه حمداً وشكراً ومؤيساً لأهل الكتاب عن إضلالهم ليزدادوا حيرة وسكراً :﴿كنتم خير أمة﴾ أي وجدتم على هذا الوصف الثابت لكم جبلة وطبعاً.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٣٢


الصفحة التالية
Icon