ولما رغبتهم في الإنفاق بما يشمل كل خير وأخبرهم بأنه عالم بدقة وجله، وأخير أن ذلك كان دأب إسرائيل عليه الصلاة والسلام على وجه أنتج أن بنيه كاذون في ادعائهم أنهم على ملة جدة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم حذر منهم وختم ما ختمه بالمتقين بالترغيب في الخير بما اندرج فيه الإنفاق الذي قدم أول السورة أنه من صفة والنزول عن حال الموسرين من الكفار المفاخرين بالإكثار المعيرين بالإقلال من المال والولد وقوفاً مع الحال الدنيوي، وكان قد أخبر أنه لا يقبل من أحد منهم في الآخرة ملء الأرض ذهباً، أعقب هذا بمثل ذلك على وجه أعم فقال - واصفاً أضداد من تقدم، نافياً ما يعتقدون من أن أعمالهم الصورية تنفعهم - :﴿إن الذين كفروا﴾ أي بالله بالميل عن المنهج القويم وإن ادعوا الإيمان به نفاقاً أو غيره ﴿لن تغني عنهم أموالهم﴾ أي وإن كثرت ﴿ولا أولادهم﴾ وإن عظمت ﴿من الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له ﴿شيئاً﴾ أي من الإغناء تأكيداً لما قرر من عدم نصرة أهل الكتاب الذين حملهم على إيثار الكفر على الإيمان استجلاب الأموال والرئاسة على الأتباع على وجه يعم جميع الكفار - كما قال في أول السورة - سواءً.
ولما كان التقدير : فأولئك هم الخاسرون، عطف عليه قوله :﴿وأولئك أصحاب النار﴾ أي هم مختصون بها، ثم استأنف ما يفيد ملازمتها فقال :﴿هم فيها خالدون *﴾ ولما كان ربما قيل : فما حال ما يبدلونه في المكارم ويواسون به في المغارم ؟ ضرب
١٣٩
لذلك مثلاً جعله هباء منثوراً، ضائعاً وإن كثر بوراً، كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، بقوله سبحانه وتعالى جواباً لهذا السؤال :﴿مثل ما ينفقون﴾ أي من المال، وحقر قصدهم بتحقير محطه فقال :﴿في هذه الحياة الدنيا﴾ أي على وجه القربة أو غيرها، لكونهم ضيعوا الوجه الذي به يقبل، وهو الإخلاص.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٣٨