ولما كان سبحانه وتعالى موصوفاً بأنه الحكم العدل القائم بالقسط وأنه لا ينسى خيراً فعل قال دفعاً لتوهم أن ذلك بخس :﴿وما ظلمهم﴾ أي الممثل بهم والممثل لهم ﴿الله﴾ الملك الأعظم الغنيّ الغِِنى المطلق لأنه المالك المطلق، وقد كفروا، أما الممثل لهم فبكونهم أنفقوا على غير الوجه الذي شرعه، وأما الممثل بهم فبكونهم لم يحرسوا زرعهم بالطاعات، وفي الآية دليل على أن أهل الطاعات تحرس ضوائعهم من الآفات وتخرق فيها العادات، ثم قال :﴿ولكن﴾ لوما كان الممثل لأجلهم الذين كفروا أعم من أن يموتوا عليه أو يسملوا لم يعبر في الظلم بما تقتضيه الجبلة من فعل الكون وقال : الأساس بكفرهم، وأن ظلمهم مقصور على أنفسهم، لا يتعداها إلى غيرها وإن أظهر لإنفاقهم نكاية في عدوهم، فإن العاقبة لما كانت للمؤمنين كانت نكايتهم كالعدم، بل هي زيادة في وبالهم، فهي من ظلمهم لأنفسهم.
١٤٠
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٣٨
ولما كان الجمال بالمال لا سيما مع الإنفاق من أعظم المرغبات في الموالاة، وكانت هذه الآية قد صيرت جميلة قبيحاً وبَذوله شحيحاً ؛ قال سبحانه وتعالى - مكرراً التنبيه على مكر ذوي الأموال والجمال الذين يريدون إيقاع الفتنة بينهم من اليهود والمنافقين ليضمحل أمرهم وتزول شوكتهم :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي إيماناً صحيحاً مصدقاً ادعاؤه بالعمل الصالح الذي من أعظمه الحب في الله والبغض في الله ﴿لا تتخذوا بطانة﴾ أي من تباطنونهم بأسراركم وتختصونهم بالمودة والصفاء ومبادلة المال والوفاء ﴿من دونكم﴾ أي ليسوا منكم أيها المؤمنون، وعبر ذلك إعلاماً بأنهم يهضمون أنفسهم وينزلونها عن علّي درجتها بموادتهم.
ثم وصفهم تعليلاً للنهي بقوله :﴿لا يألونكم خبالاً﴾ أي يقصون بكم من جهة الفساد، ثم بين ذلك بقوله على سبيل التعليل أيضاً :﴿ودّوا ما عنتم﴾ أي تمنوا مشقتكم.