ولما امتن الله سبحانه عليهم بالنصرة في تلك الكرة سبب عن ذلك أمرهم بالتقوى إشارة إلى أنها السبب لدوام النعمة فقال :﴿فاتقوا الله﴾ أي في جمع أوامره ونواهيه بأن التقوى التنزه عن المعاصي، والشكر فعل ينبىء عن تعظيم المنعم، وشكر الله صرف إلى : اشكروا لعلكم تشكرون، ولا يتحرر الجواب إلا بعد معرفة حقيقة التقوى لغة ؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي : الواقية ما وقالك الر، وكل شيء وقيت به شيئاً فهو وقاء له ووقاية، وقوله سبحانه وتعالى :﴿لعلكم تتقون﴾ قال ابن عرفة - أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم به وقاية بينكم وبين النار - انتهى.
فاتضح أن حقيقة ﴿واتقوا﴾ : اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية، وأن سبب اتخاذ الوقاية الخوف من ضاره فالظاهر - واله أعلم - أن اتقوا بمعنى : خافوا - مجازاً مرسلاً من إطلاق اسم المسبب على السبب، فالمعنى : خافوا الله لتكونوا على رجاء من أن يحملكم خوفه على طاعته على سبيل التجديد والاستمرار، ولئن سلمنا أن التقوى من الشكر فالمعنى : اشكروا هذا الشكر الخاص ليحملكم على جميع الشكر، وغايته أنه نبه على أن هذا الفرد من الشكر
١٤٨
هو أصل الباب الذي يثمر باقيه، وهوالمراد بقول ابن هشام في السيرة : إن المعنى : فاتقوني، فإنه شكر نعمتي، ويجوز أن يكون : لعلكم تزدادون نعماً فتشكرون عليها - إقامة للمسبب مقام السبب - والله أعلم.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٤٦