ولما كانت الأقسام كلها راجعة إلى قسمين : عافية وعذاب، قال - مترجماً لذلك مقرراً لقوله :﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران : ١٢٨] :﴿يغفر لمن يشاء﴾ أي منهم ومن غيرهم فيعطيه ما يشاء من خيري النيا والآخرة ويغنيه عن الربا وغيره ﴿ويعذب من يشاء﴾ بالمنع عما يريد من خيري الدارين، لا اعتراض عليه، فلو عذب الطائع ونعّم العاصي لحسن منه ذلك، ولا يقبح منه شيء، ولا اعتراض بوجه عليه، هذا مدلول الآية وهو لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٥١
ولما كان ﷺ لشدة غيظه عليهم في الله جديراً بالانتقام منهم بدعاء أو غيره أشار له سبحانه إلى العفو للحث على التخلق بأخلاق الله الذي سبقت رحمته غضبه بقوله :﴿والله﴾ أي المختص بالجلال والإكرام ﴿غفور رحيم *﴾ أي محاء للذنوب عيناً وأثراً، مكرم بعد ذلك بأنواع الإكرام، فانطبق ذلك على إيضاح ﴿ليس لك﴾ [آل عمران : ١٢٨] وإفهامه الموجب لاعتقاد أن يكون له سبحانه وتعالى الأمر وحده.
ولما أنزل عليه ذلك وما في آخر النحل مما للصابرين والعافين حرم المثلة واشتد نهيه ﷺ عنها، فكان لا يخطب خطبة إلا منع منها.