وما كانت السين في ﴿سنلقي﴾ مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى، فنفى هذا الوهم محققاً لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى - عطفاً على قوله :﴿بلى أن تصبروا وتتقوا﴾ [آل عمران : ١٢٥]، مصرحاً بما لوح إلأيه تقديراً قبل ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ [آل عمران : ١٢٣] كما مضى - :﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ أي في قوله ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم﴾ [آل عمران : ١٢٠] ﴿إذ تحسونهم﴾ أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة التي هيأها لكم ﴿بإذنه﴾ فإن الحسن بالفتح : القتل والاستئصال - قاله في القاموس.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٦٤
ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون رادعاً لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبيناً لغاية الحسن :﴿حتى إذا فشلتم﴾ أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي، فكيف بهم إذا كانوا من حزب مولي الموالي! فلو كانت العرب على حال جاهليتها تفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم - كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر :
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي إذ لا أزال على رحالة سابح نهد تعاوره الكماة مكلم طوراً يعرض للطعان وتارة يأوي إلى حصد القسي عرموم يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم
١٦
وقال يفاخر بقومه كلهم :
إنا إذا حمس الوغى نروي القنا ونعف عند مقاسم الأنفال
ولما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب فقال :﴿وتنازعتم﴾ أي بالاختلاف، وأصله من نزع بعض شيئاً من يد بعض ﴿في الأمر﴾ أي أمر الثغر المأمور بحفظه ﴿وعصيتم﴾ أي وقع العصيان بنيكم بتضييع الثغر.


الصفحة التالية
Icon