ولما قص سبحانه وتعالى عليهم بعض أمرهم في هذه الحرب، وبين لهم شيئاً من فوائد ما فعل بهم بقوله :﴿إن يمسسكم قرح﴾ [آل عمران : ١٤٠] وكان من جملة ذلك ما أظهر من أسرار المنافقين بهذه الوقعة في اتهامهم الله ورسوله، حتى وصل إلى هنا، وكان قولهم هذا غير صريح في الاتهام لإمكان حمله على مساق الاستفهام أخبر سبحانه وتعالى بتدليسهم بقوله :﴿يخفون﴾ أي يقولون ذلك مخفين ﴿في أنفسهم ما لا يبدون لك﴾ لكونه لا يرضاه اللهز ثم بين ذلك بعد إجماله فقال :﴿يقولون لو كان لنا من الأمر﴾ أي المسموع ﴿شيء ما قتلنا ههنا﴾ لأنا كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدو.
ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بما أخفوه جهلاً منهم ظناً أن الحذر يغني من لاقدر أمره سبحانه وتعالى بالرد عليهم بقوله :﴿قل لو كنتم في بيوتكم﴾ أي بعد أن
١٦٩
أجمع رأيكم على أن لا يخرج منكم أحد ﴿لبرز الذين كتب عليهم القتل﴾ أي في هذه الغزوة ﴿إلى مضاجعكم﴾ أي التي هي مضاجعهم بالحقيقة وهي التي قتلوا بها، لأن ما قدرناه لا يمكن أحداً دفعه بوجه من الوجوه، ثم عطف على ما علم تقديره ودل عليه السياق قوله :﴿ليبتلي﴾ أي لبرز المذكورون لينفذ قضاؤه ويصدق قوله لكم في غزوة بدر : إن فاديتم الأسارة ولم تقتلوزهم قتل ممنكم في العام المقبل مثلهم ﴿وليبتلي الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال بهذا الأمر التقديري ﴿ما في صدوركم﴾ أي من الإيمان والنفاق بأن يفعل في إظهاره من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فعل المختبر كما فعل بما وجد في هذه الغزوة من الأمور التحقيقية ﴿ولميحص ما في قلوبكم﴾ أى يطهره ويصفيه من جميع الوساوس الصارفة عن المراقبة من محبة الدنيا من الغنائم التي كانت سبب الهزيمة وغيرها.
وختم بقوله :﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿عليم بذات الصدور *﴾ مرغباً ومرهباً ودافعاً لما قد يتوهم من ذكر الابتلاء من عدم العلم بالخفايا.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٦٧


الصفحة التالية
Icon