كان أنسب الأشياء المبادرة إلى الوعظ بما يزيل هذا الأثر، ولما كان الرسول ﷺ مؤيداً بأعظم الثبات لما طبع عليه من الشيم الطاهرة والمحاسن الظاهرة كان الأنسب البداءة بغيره، فنهى الذين آمنوا عن الانخداع بأقوالهم فقال تعالى :﴿ياأيها الذين آمنوا﴾ أي أظهروا الإقرار بالإيمان! صدقوا قولكم بأن ﴿لا تكونوا كالذين كفروا﴾ أي بقلوبهم على وجه الستر ﴿وقالوا﴾ أي ما فضحهم ﴿لإخوانهم﴾ أي لأجل إخوانهم الأعزة عليهم نسباً أو مذهباً ﴿إذا ضربوا﴾ أي سافروا مطلق سفر ﴿في الأرض﴾ أي لمتجر غازٍ، فماتوا أو قتلوا ﴿لو كانوا عندنا﴾ ي لم يفارقونا ﴿ما ماتوا وما قتلوا﴾ وهذا في غاية التهكم بهم، لأن إطلاق هذا القول منهم - لا سيما على هذا التأكيد - يلزم منه ادعاء أنه لا يموت أحد في المدينة، وهو لا يقوله عاقل.
١٧١
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٧٠
ولما ذكر أشرف الموت بادئاً باشرافه ما دونه بادئاً فقال :﴿ولئن متم أو قتلتم﴾ أي في أي وجه كان على حسب ما قدر عليكم في الأزل ﴿لإلى الله﴾ أي الذي هو متوفيكم لا غيره، وهو ذو الجلال والإكرام الذي ينبغي أن يعبد لذاته.
ودل على عظمته بعد الدلالة بالاسم الأعظم بالبناء للمجهول فقال :﴿تحشرون *﴾ فإن كان ذلك
١٧٢
الموت أو القتل على طاعته أثابكم وإلا عاقبكم، والحاصل أنه لا حيلة في دفع الموت على حالة من الحالات : قتل أو غيره، ولا في الحشر إليه سبحانه وتعالى، وأما الخلاص من هول ذلك اليوم ففيه حيلة بالطاعة.
والله سبحانه وتعالى الموفق.
وما
أحسن ما قال عنترة في نحوه وهو جاهلي، فالمؤمن أولى منه بمثل ذلك : بكرت تخوفني الحتوف كأنني أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل فأجبتها إن المنية منهل لا أن أسقى بكأس المنهل فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي أني امرؤ سأموت إن لم أقتل