ولما كان اعتبار التفاوت ليس بما عند الخلق قال :﴿عند الله﴾ أي الملك الأعلى في حكمه وعلمه وإن خفي ذلك عليكم، لأن الله سبحانه وتعالى خلقهم فهو عالم بهم حين خلقهم ﴿والله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿بصير﴾ أي بالبصر والعلم ﴿بما يعملون *﴾ أي بعد إيجادهم، لأن ذلك أيضاً خلقه وتقديره، ولس لهم فيه إلا نسبته إلأيهم بالكسب، فهو يجازيهم بحسب تلك الأعمال، فكيف يتخيل أنه يساوي بينهم في المآل وقد فاوت بينهم في الحال وهو الحكم العدل! فعلم بما في هذا الختام من إحاطته بتفاصيل الأعمال صحة ما ابتدى به الكلام من التوفية.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٧٧
ولما أرشدهم إلى هذه المراشد، وبين لهم بعض ما اشتملت عليه من الفوائد، وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك على لسانه ﷺ بما له من الفضائل التي من أعظمها كونه من جنسهم، يميل إليهم ويرحمهم ويعطف عليهم، فيألفونه فيعلمهم ؛ نبه على ذلك سبحانه وتعالى ليستمسكوا بغرزه، ولا يلتفتوا لحظة عن لزوم هدية فقال سبحانه وتعالى - مؤكداً لما اقتضاه الحال من فعل يلزم منه النسبة إلى الغلول - :﴿لقد من الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام ﴿على المؤمنين﴾ خصهم لأنهم المجتبون لهذه النعمة ﴿إذا بعث فيهم﴾ أي فيما بينهم أو بسببهم ﴿رسولاً﴾ وزادهم رغبة فيه بقوله :﴿من أنسهم﴾ أي نوعاً وصنفاً، يعلمون أمانته وصيانته وشرفه ومعاليه وطهارته قبل النبوة وبعدها ﴿يتلوا عليهم آياته﴾ أي فيمحو ببركة النفس التلاوة كبيراً من شر الجان وغيرها مما ورد في منافع القرآن مما عرفناه، وما لم نعرفه أكثر ﴿ويزكيهم﴾ أي يطهرهم من أوضار الدنيا والأوزار
١٧٧