ولما كان هذا الفعل المسند إلى هذا القول ظاهراً في نفاقهم ترجمة بقوله :﴿وهم للكفر يومئذ﴾ أي يوم إذ كان هذا حالهم ﴿أقرب منهم للإيمان﴾ عند كل من سمع قولهم أو رأى فعلهم، ثم علل ذلك أو استأنف بقوله - معبراً بالأفواه التي منها ما هو أبعد من اللسان لكونهم منافقين، فقولهم إلى أصوات الحيوان أقرب منه إلى كلام الإنسان ذي العقل واللسان لأنهم - :﴿يقولون بأفواههم﴾ ولما أفهم هذا أنه لا يجاوز ألسنتهم فلا حقيقة له ولا ثبات عندهم ؛ صرح به في قوله ﴿ما ليس في قلوبهم﴾ بل لا شك عندهم في وقوع القتال، علم الله هذا منهم كما علموه من أنفسهم ﴿والله﴾ أى كونه وهم لا يعلمونه إلا بعد كونه، وإذا كان نسوه بتطاول الزمان والله سبحانه وتعالى لا ينساه.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٧٧
ولما حكى عنهم ما لا يقوله ذو إيمان أتبعه ما لا يتخيله ذو مروة ولا عرفان فقال مبيناً للذين نافقوا :﴿الذين قالوا لإخوانهم﴾ أي لأجل إخوانهم والحال أنهم قد
١٧٩
أسلموهم ﴿وقعدوا﴾ أي عنهم خذلاناً لهم ﴿لو أطاعونا﴾ أي في الرجوع ﴿ما قتلوا﴾ ولما كان هذا موجباً للغضب أشار إليه بإعراضه في قوله :﴿قل﴾ أي لهؤلاء الأجانب الذين هم بمنزلة الغيبة عن حضرتي لما تسبب عن قولهم هذا من ادعاء القدرة على دفع الموت ﴿فادرءوا﴾ أي ادفعوا بعز ومنعة وميّلوا ﴿عن أنفسكم الموت﴾ أي حتى لا يصل إليكم أصلاً ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي في أن الموت يغني منه حذر.
فقد انتظم الكلام بما قبل الجملة الواعظة أتم انتظام على أنه قد لاح لك أن ملائمة الجمل الواعظة لما قبلها وما بعدا ليس بدون ملاءمة ما قبلها من صلب القصة لما بعدها منه.