ولما كان ترك التمييز غير محمود، عبر بفعل الوذر، وأظهر موضع الإضمار لإظهار شرف الوصف تعظيماً لأهله فقال :﴿ليذر المؤمنين﴾ أي الثابتين في وصف الإيمان ﴿على ما أنتم عليه﴾ من الاختلاط بالمنافقين ومن قاربهم من الذين آمنوا على حال الإشكال للاقتناع بدعى اللسان دليلاً على الإيمان ﴿حتيى يميز الخبيث من الطيب﴾ بأن يفضح المبطل وإن طال ستره بتكاليف شاقة وأحوال شيديدة، لا يصبر عليها إلا المخلص من العباد، المخلصون في الاعتقاد ﴿وما كان الله﴾ لاختصاصه بعلم الغيب ﴿ليطلعكم على الغيب﴾ أي وهو الذي لم يبرز إلى عالم الشهادة بوجه لتعلموا به الذي في قلوبهم مع احتمال أن يكون الرجوع للعلة التي ذكروها في الظاهر والقول لشدة الأسف على إخوانهم ﴿ولكن الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿يجتبي﴾ أي يختار اختياراً بليغاً ﴿من رسله من يشاء﴾ أي فيخبر على ألسنتهم بما يريد من المغيبات كما أخبر أنهم برجوعهم للكفر أقرب منهم للإيمان، وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٨٧
ولما تسبب عن هذا وجوب الإيمان به قال :﴿فأمنوا بالله﴾ أي في عالم الغيب والشهادة، له الأسماء الحسنى ﴿ورسله﴾ في أنه أرسلهم وفي أنهم صادقون في كل ما يخبرون به عنه.
ولما كان التقدير : فإنكم إن لم تؤمنوا كان لكم ما تقدم من العذاب العظيم الأليم المهين، عطف عليه قوله :﴿وإن تؤمنوا﴾ أي بالله ورسله ﴿وتتقوا﴾ أي بالمداومة على أعدائكم شيئاً تقدم وعدكم به.
١٨٧
ولما كان من جملة مباني السورة الأنفاق، وتقدم في غير آية مدح المتقين به وحثهم عليه، وتقدم أن الكفار سارعوا في الكفر : أبو سفيان بالإنفاق في سبيل الشيطان على من يخذل الصحابة، ونعيم أو عبد القيس بالسعي في ذلك.