فالحاصل أن " كل نفس " أي حذرة من الموت ومستسلمة ﴿ذائقة الموت﴾ أي فعلام الاحتراس التي وعدتموها على الأعمال الصالحة ﴿يوم القيامة﴾ أي فما لكم تريدون تعجلها بإسراعكم إلى الغنائم أو غيرها مما يزيد في أعراض الدنيا فتكونوا ممن تعجل طيباته في الحياة الدنيا ﴿فمن﴾ أي فحيث علم أنه لا فوز في الدنيا إلا بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى تسبب عن ذلك أنه من ﴿زحزح عن النار﴾ أي بكونه وفي أجره ولم يتعجل طيباته ﴿وأدخل الجنة﴾ أي بما عمل من الصالحات فحاز الحياة الدائمة مع الطيبات طيباته ﴿فقد فاز﴾ أي كل الفوز، ولما صح أنه لا فوز إلا ذلك صح قوله :﴿وما الحياة الدنيا﴾ أي التي أملي لهم فيها وأزيلت عن الشهداء ﴿إلا متاع الغرور *﴾ أي المتاع الذي يدلس الشيطان أمره على الناس حتى يغتروا به فيغبنوا بترك الباقي وأخذ الأشياء الزائلة بانقضاء لذاتها والندم على شهواتها بالخوف من تبعاتها.
وفي ذلك أيضاً مناسبة من وجه آخر، وهو أنه لما سلاه سبحانه وتعالى بالرسل، الذين لازموا الصبر والاجتهاد في الطاعة حتى ماتوا - وأممهم.
وتركوا ما كان بأيديهم
١٩٢
عاجزين عن المدافعة، ولم يبق إلا ملكه سبحانه وتعالى، وأن الفريقين ينتظرون الجزاء، فالرسل لتمام الفوز، والكفار لتمام الهلاك ؛ أخبر أن كل نفس كذلك، ليجتهد الطائع ويتقصر العاصي، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين رجعوا عن أحد خوف القتل وقالوا عن الشهداء :﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾ أي إن الذي فررتم منه لا بد منه، والحياة التي آثرتموها متاع يندم عليه من محضه للتمتع كما يندم المغرور بالمتاع الذي غر به، فالسعيد من سعى في أن يكون موته في رضى مولاه الذي لا محيص له عن الرجوع إليه والوقوف بين يديه.