وتوصلوا به إلى الأغراض الدنيوية من الأموال والرئاسة وغير ذلك، أي لا يحسبن أنفسهم، وفي قراءة الكوفيين ويعقوب بالخطاب المعنى : لا تحسبنهم أيها الناظر لمكرهم ورواجهم بسببه في الدنيا واصلين إلى خير ﴿ويحبون أن يحمدوا﴾ أي ويجد الثناء بالوصف الجميل عليهم ﴿بما لم يفعلوا﴾ أي بذلك الباطن الذي لم يفعلوه، قال ابن هشام في السيرة : أن يقول الناس : علماء، وليسوا بأهل علم، لم يتحملوهم على هدى ولا حق.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٩١
لما تسبب عن ذلك العلمُ بهلاكهم قال :﴿فلا تحسبنهم﴾ أي تحسبن أنفسهم، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب وضم الباء وعلى قراءة الجماعة المعنى : لا تحسبنهم أيها الناظر ﴿بمفازة من العذاب﴾ بل هم بمهلكة منه ﴿ولهم عذاب اليم *﴾
١٩٥
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٩١
ولما أخبر بهلاكهم دل عليه بحال من فاعل " يحسب " فقال تعالى :﴿والله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال وحده ﴿ملك السموات والأرض﴾ أي لا يقع في فكرهم ذلك والحال أن ملكه محيط بهم، وله جميع ما يمكنهم الانحياز إلأيه، وله ما لا تبلغه قُدَرُهم من ملك الخافقين فهو بكل شيء محيط ﴿والله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿على كل شيء قدير *﴾ وهو شامل القدرة، فمن كان في ملكه كان في قبضته، ومن كان في قبضته كان عاجزاً عن التفصي عما يريد به، لأنه الحي القيوم الذي لا إله إلا هو - كما افتتح به السورة.
ولما ذكر هذا الملك العظيم وختم بشمول القدرة دل على ذلك بالتنبيه على التفكر فيه الموجب للتوحيد الذي هو المقصد الأعظم من هذه السورة الداعي إلى الإيمان الموجب للمفازة من العذاب، لأن المقصود الأعظم من إنزال القرآن تنوير القلوب بالمعرفة، وذلك لا يكون إلا بغاية التسليم، وذلك هو ابتاع الملة الحنيفية، وهو متوقف على صدق النبي ﷺ، فبدأ سبحانه وتعالى السورة بدلائل صدقه بإعجاز القرآن بكشفه.