وأشار إلى أنها من منّه وفضله بقوله :﴿ربهم﴾ أي المحسن إليهم المتفضل عليهم ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم﴾ كائناً من كان ﴿من عيسى عند الله كمثل آدم﴾ [آل عمران : ٥٩] الناظر إلى قوله ﴿ذرية بعضها من بعض﴾ [آل عمران : ٣٤] المفتتح بأن الله سبحانه وتعالى ﴿اصطفى آدم ونوحاً﴾ [آل عمران : ٣٣] المنادي بأن البشر كلهم في العبودية للواحد - الذي ليس كمثله شيء الحي القيوم - سواء نم غير تفاوت في ذلك أصلاً، والمراد أنهم إذا كانوا مثلهم في النسب فهم مثلهم في الأجر على العمل.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٩٦
ولما أقر أعينهم بألإجابة، وكان قد تقدم ذكر الأنصار عموماً في قوله :﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم - وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ [آل
١٩٩
عمران : ١٧٠-١٧٠] خص المهاجرين بياناً لفضلهم وزيادة شرفهم بتحقيقهم لكونهم معه، لم يأنسوا بغيره ولم يركنوا لسواه من أهل ولا مال بقوله مسبباً عن الولد المذكور ومفصلاً ومعظماً ومبجلاً :﴿فالذين هاجروا﴾ أي صدقوا إيمانهم بمفارقة أحب الناس غليهم في الدين المؤدي إلى المقاطعة وأعز البلاد عليهم.
ولما كان للوطن من القلب منزل ليس لغيره نبه عليه بقوله :﴿وأخرجوا من ديارهم﴾ أي وهي آثر المواطن عندهم بعد أن باعدوا أهلهم وهم أقرب الخلائق إلهم، ولما كان الأذى مكروهاً لنفسه لا بالنسبة إلى معين بنى للمفعول قوله :﴿وأوذوا﴾ أي بغير ذلك من أنواع الأذى ﴿في سبيلي﴾ أي بسبب ديني الذي نهجته ليسلك إليّ فيه، وحكمت أنه لا وصول إلى رضائي بدونه ﴿وقتلوا﴾ أي في سبيلي.


الصفحة التالية
Icon