ولما كان سبحانه وتعالى قد خلق للإنسان عقلاً يحمله على التيقظ والتحرز من الخوف، فكان كالآلة له، وكان - لما عنده من السهو والنسيان في غالب الأوقات - مهملاً له، فكان كأنه قد ترك آلة كانت منه ؛ قال سبحانه وتعالى :﴿خذوا حذركم﴾ أي من الأعداء الذين ذكرتهم لكم وحذرتكم منهم : المشاققين منهم والمنافقين ﴿فانفروا﴾ أي اخرجوا تصديقاً لما ادعيتم إلى جهادهم مسرعين ﴿ثبات﴾ أي جماعات متفرقين سرية في إثر سرية.
لا تملوا ذلك أصلاً ﴿أو انفروا جميعاً *﴾ أي عسكراً واحداً، ولا تخاذلوا تهلكوا، فكأنه قال : خففت عنكم قتل الأنفس على الصفة التي كتبتها على من قبلكم، ولم آمركم إلا بما تألفونه وتتمادحون به فيما بينكم وتذمون تاركه، من موارد القتالن الذي هو مناهج الأبطال، ومشارع فحول الرجال، وجعلت للباقي منكم المحبوبين من الظفر وحل المغنم، وللماضي أحب المحبوب، وهو الدجرة التي ما بعدها إلا درجة النبوة، مع أنه لم ينقص من أجله شيء، ولو لم يقتل في ذلك السبيل المرضى لقتل في غيره في ذلك الوقت.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٢٧٦
ولما كان التقدير : فإن منكم الخارج إلى الجهاد عن غير حزم ولا حذر، عطف عليه قوله - مبيناً لما هو من أجلّ مقاصد هذه الآيات من تبكيت المنافقيو للتحذير منهم، ووصفهم ببعض ما يخفون، مؤكداً لأن كل ما ادعى الإيمان ينكر أن يكون كذلك - :﴿وإن منكم﴾ أي يا أيها الذين آمنوا وعزتنا ﴿لمن ليبطئن﴾ أي يتثاقل في نفسه عن
٢٧٨
الجهاد لضعفه في الإيمان أو نفاقه، ويأمر غيره بذلك أمراً مؤكداً إظهاراً لشفقة عليكم وهو عين الغش فإنه يثمر الضعف المؤدي إلى جرأة العدو المفضي إلى التلاشي.