ولما كان الطاغوت الشيطان أو من زينة الشيطان، وكان كل من عصى الله منه وممن أغواه حقيراً ؛ سبب عن ذلك قوله :﴿فقاتلوا أولياء الشيطان﴾ ثم علل الجرأة عليهم بقوله :﴿إن كيد الشيطان﴾ أي الذي هو رأس العصاة ﴿كان﴾ جبلة وطبعاً ﴿ضعيفاً *﴾ ولما عرفهم هذه المفاوز الأخروية والمفاخر الدنيوية، وختم بما ينهض الجبان، ويقوي الحنان، ورغبهم بما شوق إليه من نعيم الجنان ؛ عجب من حال من توانى بعد ذلك واستكان، فقال تعالى مقبلاً بالخطاب على أعبد خلقه وأطوعهم لأمره :﴿ألم تر﴾ وأشار إلى أنهم بمحل بعد عن حضرته تنهيضاً لهم بقوله :﴿إلى الذين قيل لهم﴾ أي جواباً لقولهم : إنا نريد أن نبسط ايدينا إلى الكفار بالقتال لأن امتحاننا بهم قد طال ﴿كفوا أيديكم﴾ أي ولا تبسطوها إليهم فإنا لم نأمر بهذا ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي صلة بالخالق واستنصاراً على المشاقق ﴿وأتوا الزكاة﴾ منماة للمال وطهرة للأخلاق وصلة للخلائق ﴿فلما كتب عليهم القتال﴾ أي الذي طلبوه وهم يؤمرون بالصفح، كتابة لا تنفك إلى آخر
٢٨١
الدهر ﴿إذا فريق منهم﴾ أي ناس تلزم عن فعلهم الفرقة، فأحبوا هذه الكتب بأنهم ﴿يخشون الناس﴾ أي الذين هم مثلهم، أن يضروهم، والحال أنه يقبح عليهم أن يكونوا أجراً منهم وهم ناس مثلهم ﴿كخشية الله﴾ أي مثل ما يخشون الله الذي هو القادر لا غيره.
ولما كان كفهم عن القتال شديداً يوجب لمن يراه منهم أن يظن بهم من الجبن ما يتردد به في الموازنة بين خوفهم من الناس وخوفهم من الله، عبر بأداة الشك فقال :﴿أو أشد خشية﴾ أي أو كانت خشيتهم لهم عند الناظر لهم أشد من خشيتهم نم الله، فقد أفاد هذا أن خوفهم من الناس ليس بأقل من خوفهم من الله جزماً بل إما مثله أو أشد منه ؛ وقد يكون الإبهام لتفاوت بالنسبة إلى وقتين، فيكون خوفهم منه في وقت متساوياً، وفي آخر أزيد، فهو متردد بين هذين الحالين ؛ ويجوز أن يكون ذلك كناية عن كراهتهم القتال في ذلك الوقت وتمنيهم لتأخيره إلى وقت ما.