ولما كان التقدير : فلو كان من عند غير الله لم يخبر بأسرارهم، عطف عليه قوله :﴿ولو كان من عند غير الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة - كما زعم الكفار ﴿لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً *﴾ أي في المعنى بالتناقض والتخلف عن الصدق في الإخبار بالمغيبات أو بعضها، وفي النظم بالتفاوت في الإعجاز ؛ فإذا علموا أنه من عند الله بهذا الدليل القطعي حفظوا سرائرهم كما يحفظون علانياتهم، لأن الأمر بالطاعة مستوٍ عند السر والعلن ؛ والتقيد بالكثير يفيد أن المخلقو عاجز عن التحرز من النقص العظيم بنفسه، وإفهامه - عند استثناء نقيض التالي - وجود الاختلاف اليسير فيه تدفعه الصرائح ولما أمر سبحانه وتعالى بالنفر إلى الجهاد على الحزم والحذر، وأولاه الإخبار بأن من الناس المغرر والمخذل تصريحاً بالثاني وتلويحاً إلى الأول، وحذر منهما ومن غيرهما إلى أن ختم بأمر الماكرين، وبأن القرآن قيم لا عوج فيه ؛ ذكر أيضاً المخذلين والمغررين على وجه أصرح من الأول مبيناً ما ان عليهم فقال :﴿وإذا جاءهم﴾ أي هؤلاء المزلزلين ﴿أمر من الأمن﴾ من غير ثبت ﴿أو الخوف﴾ كذلك ﴿أذاعوا﴾ أي أوقعوا الإذاعة لما يقدرون عليه من المفاسد ﴿به﴾ أي بسببه نم غير علم منهم بصدقه من كذبه، وحقه من باطله، ومتفقه من مختلفه، فيحصل الضرر البالغ لأهل الإسلام، أقله قلب الحقائق ؛ قال في القاموس : أذاعه وبه : أفشاه ونادى به في الناس.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٢٨٦


الصفحة التالية
Icon