ولما كان هذا ظاهراً في بروز الأمر المطاع بين القول بكفرهم وضحه بقوله ؛ ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك الذي لا أمر لأحد معه ﴿أركسهم﴾ أي ردهم منكوسين مقلوبين ﴿بما كسبوا﴾ أي بعد إقرارهم بالإيمان من مثل هذه العظائم، فاحذروا ذلك ولا تختلفوا في أمرهم بعد هذا البيان ؛ وفي عزوة أحد والتفسير من البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال :" لما خرج النبي ﷺ إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي ﷺ فرقتين : فرقة تقول : نقاتلهم، وفرقة تقول : لا نقاتلهم، فنزلت :﴿فما لكم في المنافقين﴾ - الآية، وقال : إنها طيبة تنفي الذنوب وفي رواية :-
٢٩٣
كما تنفي النار خبث الفضة " انتهى.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٢٩٠
فالمعنى حينئذ : اتفقوا على أن تيسيروا فيها بما ينزل عليكم في هذه الآيات.
ولما كان حال من يرفق بهم حال من يريد هدايتهم، أنكر سبحانه وتعالى ذلك عليهم صريحاً لبت الأمر في كفرهم فقال ﴿أتريدون﴾ أي أيها المؤمنون ﴿إن تهدوا﴾ أي توجدوا الهداية في قلب ﴿من أضل الله﴾ أي وهو الملك الأعظم الذي لا يرد له أمر، وهو معنى قوله :﴿ومن﴾ أي والحال أنه من ﴿يضلل الله﴾ أي بمجمامع أسمائه وصفاته ﴿فلن تجد﴾ أي أصلاً أيها المخاطب كائناً من كان ﴿له سبيلاً *﴾ أي إلى ما أضله عنه أصلاً، والمعنى : إن كان رفقكم بهم رجاء هدايتهم فذلك أمر ليس إلا الله، وإنما عليكم أنتم الدعاء، فمن أجاب صار أهلاً للمواصلة، ومن أبى صارت مقاطعته ديناً، وقتله قربة، والإغلاظ واجباً.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٢٩٠
ولما أخبر بضلالهم وثباتهم عليه، أعلم بأعراقهم فيه فقال :﴿ودّوا﴾ أي أحبوا وتمنوا تمنياً واسعاً ﴿لو تكفرون﴾ أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائماً ﴿كما كفروا﴾ ولما لم يكن بين ودهم لكفرهم وكونهم مساوين لهم تلازم، عطف على
٢٩٤


الصفحة التالية
Icon