ولما كان سبحانه وتعالى قد أمر فيهم على تقدير توليهم بما أمر، استثنى منه فقال :﴿إلا الذين يصلون﴾ فراراً منكم، وهم من الكفار عند الجمهور ﴿حصرت﴾ أى ضاقت وهابت وأحجمت ﴿صدورهم أن﴾ أي عن أن ﴿يقاتلوكم﴾ أي لأجل دينهم وقومهم ﴿أو يقاتلوهم قومهم﴾ أي لأجلكم فراراً أن يكفوا عن قتالكم وقتال قومهم فلا تأخذوهم ولا تقاتلوهم، لأنهم كالمسالمين بترك القتال، ولعله عبر بالماضي في " جاء " إشارة إلى أن شرط مساواتهم للواصلين إلى المعاهدين عدم التكرر، فإن تكرر ذلك منهم فهم الآخرون الآتي حكمهم.
ولما كان التقدير : فلو شاء الله لجعلهم مع قومهم إلباً واحداً عليكم، عطف عليه قوله :﴿ولو﴾ أي يكون المعنى : والحال أنه لو ﴿شاء الله﴾ أي وهو المتصف بكل كمال ﴿لسلطهم﴾ أي هؤلاء الواصلين والجائين على تلك الحال من الكفار ﴿عليكم﴾ ينوع من أنواع التسليط، تسليطاًَ جارياً على الأسباب ومقتضى العوائد، لأن بهم قوة على قتالكم ﴿فلقاتلوكم﴾ أي فتسبب عن هذا التسليط أنهم قاتولكم منفردين أو مع غيرهم من أعدائكم، واللم فيه جواب " لو " على التكرير، أو البدل من سلط.
٢٩٥
ولما كان المغيّي على النهي عن قتالهم حينئذ، صرح به في قوله :﴿فإن اعتزلوكم﴾ أي هؤلاء الذي أمرتكم بالكف عنهم من المنافقين، فكفوا عنكم ﴿فلم يقاتلوكم﴾ منفردين ولا مجتمعين مع غيرهم ﴿وألقوا إليكم السلم﴾ أي الانقياد ﴿فما جعل الله﴾ أي الذي لا أمر لأحد معه بجهة من الجهات ﴿لكم عليهم سبيلاً *﴾ أي إلى شيء من أخذهم ولا قتلهم.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٢٩٤
ولما كان كأنه قيل : هل بقي من أقسام المنافقين شيء ؟ قيل : نعم! ﴿ستجدون﴾ أي عن قرب بوعد لا شك فيه ﴿آخرين﴾ أي من المنافقين ﴿يريدون أن يأمنوكم﴾ أي فلا يحصل لكم منهم ضرر ﴿ويأمنوا قومهم﴾ كذلك، لضعفهم عن كل منكم.


الصفحة التالية
Icon