بذلك إشارة إلى التحري في جودة إسلامها، وقد أسقط هذا حرمة نفسه بغير الكفارة بسكناه في دار الحرب التي هي دار الإباحة أو وقوعه في صفهم، ولعده في عدادهم قال :﴿من﴾ ومعناه - كما قال الشافعي وغيره تعباً لابن عباس رضي الله تعالى عنهما - : في ﴿وإن كان﴾ أي المقتول ﴿من قوم﴾ أي كفرة أيضاً عدو لكم ﴿بينكم وبينهم ميثاق﴾ وهو كافر مثلهم ﴿فدية﴾ أي فالواجب فيه كالواجب في المؤمن المذكور قبله دية ﴿مسلّمة إلى أهله﴾ على حسب دينه، إن اكن كتابياً فثلث دية المسلم، وإن كان مجوسياً فثلثا عشرها ﴿وتحير رقبة مؤمنة﴾ وكأنه قدم الدية هنا إشارة إلى المبادرة بها حفظاً للعهد، ولتأكيد أمر التحير بكونه ختاماً كما كان افتتاحاً حثاً على الوفاء به، لأنه أمانة لا
٢٩٧
طالب له إلا الله ؛ وقال الأصبهاني : إن سر ذلك أن إيجابه في المؤمن أولى من الدية، وبالعكس ها هنا - انتهى.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٢٩٤
وكان سره النظر إلى خير الدين في المؤمن، وإلى حفظ العهد في الكافر ﴿فمن لم يجد﴾ أي الرقبة ولا ما يتوصل به إليها ﴿فصيام﴾ أي فالواجب عليه صيام ﴿شهرين متتابعين﴾ حتى لو أفطر يوماً واحداً بغير حيض أونفاس وجب الاستئناف، وعلل ذلك بقوله عادا للخطأ - بعد التعبير عنه باللام المقتضية أنه مباح - ذنباً تغليظاً للحث على مزيد الاحتياط :﴿توبة﴾ أي أوجب ذلك عليكم لأجل قبول التوبة ﴿من الله﴾ أي الملك الأعظم الذي كل شيء في قبضته.
ولما كان الكفارات من المشقة على النفس بمكان، رغب فيها سبحانه وتعالى بختم الآية بقوله :﴿وكان الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿عليماً﴾ أي بما يصلحكم في الدنيا والآخرة، وبما يقع خطأ في نفس الأمر أو عمداً، فلا يغتر أحد بنصب الأحكام بحسب الظاهر ﴿حكيماً *﴾ في نصبه الزواجر بالكفارات وغيرها، فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٢٩٤