ولما تبين بهذا المنع الشديد من قتل العمد، وما في قتل الخطأ من المؤاخذة الموجبة للتثبت، وكان الأمر قد برز بالقتال والقتل في الجهاد ومؤكداً بأنواع التأكيد، وكان ربما التبس الحال ؛ أتبع ذلك التصريح بالأمر بالتثبت جواباً لمن كأنه قال : ماذا نفعل بين أمري الإقدام والإحجام ؟ فقال :﴿ياأيها الذين أمنوا﴾ مشيراً بأداة البع والتعبير بالماضي الذي هو لأدنى الأسنان إلى أن الراصخين غير محتاجين إلى مزيد التأكيد في التأديب، وما أحسن التفاته إلى قوله تعالى ﴿وحرض المؤمنين﴾ [النساء : ٨٤] إشارة منه تعالى إلى أنهم يتأثرون من تحريضه ﷺ وينقادون لأمره، بما دلت عليه كلمة " إذا " في قوله تعالى :﴿إذا ضربتم﴾ أي سافرتم وسرتم في الأرض ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي له الكمال كله، لأجل وجهه خالصاً ﴿فتبينوا﴾ أي اطلبوا بالتأني والتثبت بيان الأمور والثبات في تلبسها والتوقف الشديد عند منالها، وذلك بتميز بعضها من بعض وانكشاف لبسها غاية الانكشاف ؛ ولا تقدموا إلا على ما بان لكم ﴿ولا تقولوا﴾ قولاً فضلاً عما هو أعلى منه ﴿لمن ألقى﴾ أي كائناً من كان ﴿إليكم السلام﴾ أي بادر بأن حياكم بتحية افسلام ملقياً قياده ﴿لست مؤمناً﴾ أي بل متعوذ - لتقتلوه.
ولما كان اتباع الشهوات عند العرب في غاية الذم قال موبخاً منفراً عن مثل هذا في موضع الحال من فاعل " تقولوا " ﴿تبتغون﴾ أي حال كونكم تطلبون طلباً حثيثاً بقتله ﴿عرض الحياة الدنيا﴾ أي بأخذ ما معه من الحطام الفاني والعرض الزائل، أو بإدراك ثأر كان لكم قبله ؛ روى البخاري ي التفسير ومسلم في آرخ كتابه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام﴾ قال : كان رجل في غنيمة له،
٢٩٩