جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣١٣
ولما ندب إلى التوبة ورغب فيها، بين أن ضرر إثمه لا يتعدى نفسه، حثاً على التوبة وتهييجاً إليها لما جبل عليه كل أحد من محبة نفع نفسه ودفع الضر عنها فقال :﴿ومن يكسب إثماً﴾ أي إثم كان ﴿فإنما يكسبه على نفسه﴾ لأن وباله راجع عليه إذ الله له بالمرصاد، فهو مجازيه على ذلك لا محالة غير حامل لشيء من إثمه على غيره كما أنه غير حامل لشيء من إثم غيره عليه، والكسب : فعل ما يجر نفعاً أويدفع ضراً.
٣١٥
ولما كان هذا لا يكون إلا مع العلم والحكمة قال تعالى :﴿وكان الله﴾ أي الذي له كمال الإحاطة أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله، فلا يترك شيئاً منه ﴿حكيماً *﴾ فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه، وإذا أراد شيئاً وضعه في أحكم مواضعه فلا يمكن غيره شيء من نقضه.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣١٣
ولما ذكر ما يخص الإنسان من إثمه أتبعه ما يعديه إلى غيره فقال :﴿ومن يكسب خطيئة﴾ أي ذنباً غير متعمد له ﴿أو إثماً﴾ أي ذنباً تعمده.
ولما كان البهتان شديداً جداً قلَّ من يجترىء عليه، أشار إليه بأداة التراخي فقال :﴿ثم يرم به بريئاً﴾ أي ينسبه إلى من لم يعمله - كما فعل طعمة باليهودي، وابن أبي بالصديقة رضي الله تعالى عنها.
وعظم جرم فاعل ذلك بصيغة الافتعال في قوله :﴿فقد احتمل﴾ وبقوله :﴿بهتاناً﴾ أي خطر كذب يبهت المرمى به لعظمه، وكأنه إشارة إلى ما يحلق الرامي في الدنيا من الذم ﴿وإثماًَ﴾ أي ذنباً كبيراً ﴿مبيناً﴾ يعاقب به في الآخرة، وإنما كان مبيناً لمعرفته بخيانة نفسه وبراءة المرمى به، ولأن الله سبحانه وتعالى أجرى عادته الجميلة أن يظهر براءة المقذوف به يوماً ما بطريق من الطرق ولو لبعض الناس.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣١٦


الصفحة التالية
Icon