ولما كانوا قد يأخذون الرشوة ولا يقدرون على إبرام الحكم بما أرادوه، فيطمعون في أن يفعلوا ذلك بواسطة ترافعهم إلى النبي ﷺ فيترافعون إليه، فإن حكم بينهم بما أرادوا قبلوه واحتجوا به على من لعله يخالفهم، وإن حكم بما لم يريدوه قالوا : ليس هذا في ديننا - طمعاً في أن يخليهم فلا يلزمهم بما حكم، أعلمه الله تعالى بما يفعل في أمرهم، وحذره غوائل مكرهم، فقال مفوضاً الخيرة إليه في أمر المعاهدين إلى مدة -
٤٥٧
وأما أهل الجزية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلى حاكمنا - مسبباً عن أكلهم الحرام وسماعهم الكذب :﴿وإن﴾ دالاً بعطفه على غير معطوف عليه أن التقدير : فإن حكمت بينهم لم ينفعوك شيئاً لإقبالك عليهم، قال : وإن ﴿تعرض عنهم﴾ أي الكفرة كلهم من المصارحين والمنافقين ﴿فلن يضروك شيئاً﴾ أي إعراضك عنهم واستهانتك بهم.
ولما كان التخيير غير مراد الظار في جواز الحكم بينهم عند الترافع إلينا وعدمه، بل معناه عدم المبالاة بهم، أعرض عنهم أولاً، فحقيقته بيان العاقبة على تقديري الفعل والترك، علَّمه كيف يحكم بينهم، فقال عاطفاً على ما قدرته :﴿وإن حكمت﴾ أي فيهم ﴿فاحكم﴾ أي أوقع الحكم ﴿بينهم بالقسط﴾ أي العدل الذي أراكه الله - على أن الآية ليست في أهل الذمة، والحكم في ترافع الكفار إلأينا أنه كان منهم أو من أحدهم التزام لأحكامنا أم منا التزام للذب عنهم وجب، لقوله تعالى ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ وإلا لم يجب، ثم علل ذلك بقوله :﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿يحب المقسطين﴾ أي الفاعلين للعدل السوي من غير حيف أصلاً.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٤٥٧