فمن التمس الشرف بجاه الدنيا فهو ملك بقدر ما يلتمس من شرفها قل ذلك الحظ أو جل، وهو به نم أتباع ملوك الدنيا، وكذلك من التمس الاستئثار بخيرها واتخذ الذخيرة منها، كل ينال من الملك ويكون من شيعة الملوك بحسب ما ينال ويجحب من ذلك حتى ينتهي إلى حشرة مع الصنف الذي يميل إليه، فمن تذلل وتقلل وتوكل بعث مع الأنبياء والمرسلين ولاخلفاء، كما أن من تشرف بالدنيا واستأثر وادخر منها حشر مع الملوك والسلاطين ؛ جلس عمر رضي الله تعالى عنه يوماً وسلمان وكعب وجماعة رضي الله تعالى عنهم فقال : أخبروني أخليفة أنا أم ملك ؟ فقال له سلمان رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين! إن جبيت درهماً من هذا المال فوضعته في غيره حقه فأنت ملك، وإن لم تضعه إلا في حقه فأنت خليفة، فقال كعب : رحم الله تعالى! ما ظننت أن أحداً يعرف الفرق بين الخليفة والملك غيري، فالتزام مرارة العدل وإيثار الغير خلافة وتشيع في سبيلها، ومنال حلاوة الاستئثار بالعاجلة شرفها ومالها ملك وتحيز لتباعه - انتهى.
وفي تقديم الإيتاء عل النزع إشارة إلى أن الداعي ينبغي أن يبدأ بالترغيب ﴿وتنزع﴾ قال الحرالي : من النزع، وهو الأخذ بشدة وبطش - انتهى.
﴿
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٤٦
الملك ممن تشآء﴾ وفيه إشارة إلى إن الدعاء باللين إن لم يجدٍ ثني بالترهيب، وعلى هذا المنوال أبرز قوله :﴿وتعز من تشآء﴾ أي إعزازه ﴿وتذل من تشآء﴾ أي إذلاله، وهو كما قال :"إن رحمتي سبقت غضبي" قال الحرالي : وفي كلمة النزع بما ينبىء عنه من البطش والقوة ما يناسب
٥٣