ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال : فاتقوه فإن الله يحذركموه ﴿ويحذركم الله﴾ أي الذي له العظمة التي لا يحاط بها ﴿نفسه﴾ فالله سبحانه وتعالى منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد، قال الحرالي : أن تكون لكم أنفس فتجد ما عملت، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة، بل الذي ينبغي أن يبرىء العبد من نفسه تبرئبته من أن يكون له إرادة، وأن يلاحظ علم الله وقدرته في كلية ظاهره وباطنه وظاهر الكون وباطنه - انتهى.
ولما كان تكرير التحذير قد ينفر بين أن تحذيره للاستعطاف، فإنه بنصب الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية المسبب عنه سعادة الدارين، فهو من رأفته بالمحذرين فقال بانياً على ما تقديره : ويعدكم الله سبحانه وتعالى فضله ويبشركم به لرافته بكم :﴿والله﴾ أي والحال أن الذي له وحده الجلال والإكرام ﴿رؤوف بالعباد*﴾ قال الحرالي : فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائياً، والتحذير السابق انتهائياً، فكان هذا رأفة سابقة، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيراً لاحقاً متقصلاً بالمصير إلى الله، وهذا الخاتم مبتدأً بالرأفة من الله.
والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة، والذي يفصح عن المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من يدجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، فنم تحقق أن الأمر لله سبحانه وتعالى وجد رلفقه وفضله ورحمته عليه لما برىء من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نسفه، فأحبه لذلك، قيل لأعرابي : إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله ؟ فقال : أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه فلذلك إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحّده وبما وجده في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى.
وقد علم أن الآية من الاحتباك : التحذير أولاً دال على الوعد بالخير ثانياً، والرأفة ثانياً دالة على الانتقام أولاً - والله سبحانه وتعالى الموفق.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٥٥


الصفحة التالية
Icon