أليس كانوا يحلون لكم ما حرم الله فتستحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه ؟ قلت : بلى، قال : تلك عبادتهم.
ولما هي سبحانه أمرهم من جهة استنادهم، زاد توهية من جهة مرادهم بالإعلام بأنهم بقتالهم لأهل الطاعة إنما يقاتلون الله وأنه لا ينفذ غرضهم بل يريد غير ما يريدون، ومن المقرر أنه لا يكون إلا ما يريد، فقال مستأنفاً او معللاً لما مضى من أقوالهم وأفعالهم :﴿يريدون أن يطفئوا﴾ أى بما مضى ذكره من أحوالهم ﴿نور الله﴾ أى دين الملك الأعلى الذي له الإحاطة العظمى، وشرعه الذي لعباده على ألسنة الأنبياء
٣٠٣
والرسل، كل ذلك ليتمكنوا من العمل بالأغراض والأهوية، فأن اتباع الرسل حاسم للشهوات، وهم أبعد الناس عن ذلك ولما حقر شانهم، هدمه بالكلية بقوله :﴿بأفواههم﴾ أى بقول خال عن شيء يثبته او يمضيه وينفذه، وفي تسمية دينه نوراً ومعاندتهم إطفاء بالأفواه تمثيل لحالهم بحال من يريد إطفاء نور الشمس بنفخه ﴿ويأبى﴾ أي والحال أنه يفعل فعل الأبيّ وهو أنه لا يرضي ﴿الله﴾ أي الذي له جميع العظمة والعز ونفود الكلمة ﴿إلا أن يتم نوره﴾ أى لا يقتصر على مجرد إشراقه، بل وعد-وقوله الحق - بأنه لا بد من إكماله وإطفائه لكل ما عداه وإحراقه.
ولما في " يابى " من معنى الجحد والاستمرار ﴿ولو كره الكافرون*﴾ أي العريقون في الكفر فكيف بغيرهم.