ولما كان هذا العتاب مؤذناً فيهم من تباطأ عن الجهاد اشتغالاً بنحو الأموال والأولاد، وكان ما اشتملت عليه هذه الآيات من الأوامر والزواجر والمواعظ جدير : بأن يخفف كل متثاقل وينشط كل متكاسل، تشوفت النفوس إلى ما اتفق بعد ذلك فأعلم سبحانه به في أساليب البلاغة المخبرة عن أحوال القاعدين وأقاصيص الجامدين المفهمة ان هناك من غلب عليه الشقاء فلم ينتفع بالمواعظ، فالتفت من لطف الإقبال إلى تبكيت المتثاقلين بأسلوب الإعراض المؤذن الغضب المحقق للسخط المبين لفضائحهم المبعثر لقبائحهم المخرج لهم ما دخلوا فيه من عموم الدعاء باسم الإيمان فقال :﴿لو كان﴾ أى ما تدعوا إليه ﴿عرضاً﴾ أى متاعاً دنيوياً ﴿قريباً﴾ أي سهل التناول ﴿وسفراً قاصداً﴾ أي
٣٢٢
وسطاً عدلاً مقارباً ﴿لا تبعوك﴾ أي لأجل رجاء العرض مع سهولة السفر لأن هممهم قاصرة ومنوطة بالحاضر ﴿ولكن﴾ أي لم يتبعوك تثاقلاً إلى الأرض ورضي بالفاني الحاضر من الباقي الغائب لأنها ﴿بعدت عليهم الشقة﴾ أي المسافة التي تطوى بذرع الأرجل بالمسير فيحصل بها النكال والمشقة فلم يواز ما يحصل لهم بها من التعب ما يرجونه من العرض، فاستأذنوك، وفي هذا إشارة إلى ذمهم بسفول الهمم ودناءة الشيم بالعجز والكسل والنهم والثقل، وإلى أن هذا الدين متين لا يحمله إلا ماضي الهم صادق العزم كما قال الشاعر :
إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمه وأعرض عن ذكر العواقب جانبا


الصفحة التالية
Icon