جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٢٩
ولما أظهروا أنهم قصدوا البعد من شيء فغذا هم قد ارتكبوا فيه، انتهزت فرصة الإخبار بذلك على أبلغ وجه بإدخال ناف على ناف لتحصيل الثبوت الأكيد بإقرار المسؤول فقيل :﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ أي بما قالوا وفعلوا، فصارت ظرفاً لهم فوضعوا انفسهم بذلك في جهنم، وفي التعبير بالسقوط دلالة على انتشابهم في أشراك الفتنة انتشاباً سريعاً بقوة فصار يعسر خلاصهم معه ﴿وإن جهنم لمحيطة﴾ أى بسبب
٣٣٠
إحاطة الفتنة-التي اسقطوا انفسهم فيها - بهم، وإنما قال :﴿بالكافرين*﴾ تعميماً وتنبيهاً على الوصف الذي حملهم على ذلك.
ولما كان كأنه قيل : ما الفتنة التي سقطوا فيها فاحاطت بهم جهنم بسببها ؟قيل :﴿إن﴾ أي هي كونهم أن، ويجوز أن يكون علة لإحاطة جهنم بهم، وكأنهم -لأجل أنهم من الأوس والخزرج فالأنصار إقاربههم-خصوا النبي ﷺ بالعدواة وشديد الحنق، وكذا ايضاً كان لا يسوءهم ويسرهم من الحسنة والسيئة إلا ما له وقع - بما اذن له التعبير بالإصابة دون المس-لا ما دونه، حفظاً لقلوب أقاربهم ورعياً لأسرار نسائهم، فقال إشارة إلى ذلك :﴿تصبك﴾ أي بتقدير الله ذلك ﴿حسنة﴾ أي بنصر او غيره ﴿تسؤهم﴾ أي لما في قلوبهم من الضغن والمرض ﴿قد اخذنا أمرنا﴾ أي عصينا الذي امرنا ولم نسلم قيادنا لأحد فنكون كالأعمه، لأن الأمر الحادثة وضد النهي، ومنه الأمير، رجل إمرّ وإمرة-بتشديد الميم المفتوحة مع كسر الهمزة وتفتح : ضعف الرأي، يوافق كل أحد على ما يريد من امره كله، وهو الأعمه وزناً ومعنى ﴿من قبل﴾ أي قبل ان تكون هذه المصيبة، فلم نكن مؤتمرين بأمر فيصيبنا بيد الآمر، فلما عصوه كانوا كأنهم قد أخذوه منه.


الصفحة التالية
Icon