ولما كان الحال مقتضياً لبيانما صاروا إليه بعد إكفارهم من توبتهم أو إصرارهم، بين أنهم قسمان : أحدهما مطبوع على قلبه ومقضي توبته وحبه، وهذا الأشرف هو المراد بقوله بانياً للمفعول إعلاماً بأن المقصود الأعظم هو الفعل، لا بالنظر إلى فاعل معين :﴿إن يعف﴾ لأن كلام الأعلى والأدنى ﴿عن طائفة منكم﴾ أي لصلاحيتها للتوبة ﴿تعذب طائفة﴾ أي قوم ذوو عدد فيهم أهلية الاستدارة، وقرأ عاصم ببناء الفعلين للفاعل على العظمة ﴿بأنهم﴾ أي بسبب أنهم ﴿كانوا مجرمين*﴾ أي كسبهم للذنوب القاطعة عن الخير صفة لهم ثايته لا تنفك، فهم غير من المنافقين : اثبان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر يضحك، قيل : كانوا يقولون : إن محمداً يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم، ما أبعده من ذلك! وقيل : كانوا يقولون : إن محمداً يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين في المدينة قرآن، وإنما هو قولهوكلامه، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك فقال : احسبوا الركب عليّ، فدعاهم وقال لهم : قلتم كذا وكذا ؟ فقالوا :﴿إنما كنا نخوض ونلعب﴾ أى كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع الطريق باحديث واللعب، قال ابن اسحاق : والذي عفى عنه رجل واحد وهو مخشي بن حمير الأسجعي، يقال : هو الذي كان يضحك، ولا يخوض زكان يمشي مجانباً لهم وينكر بعض مايسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب.
قال : اللهم! لا أزال أسمع آية تقرأ، تقشعر
٣٤٣
منها الجلود، وتجب منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلاً فيب سبيلك! لا يقول أحد : أنا غسلت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره رضي الله عنه.


الصفحة التالية
Icon