﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ [آل عمران : ١٠٥] وما انبأ به ﷺ "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو ذخلوا حجر ضب لا تبعتموهم" وفي بعض طرقة "حتى لو كان فيهم من أتى امه جهاراً لكان فيكم ذلك، قلنا : يارسول الله! اليهود والنصارى ؟قال : فمن ؟" وإنما قوي وكثر في هذه الأمة حال هاتين الملتين لما آتاهما الله من الكتاب والعلم والحكمة فاختلفوا فيها بالأغراض والأهواء وإثيار عرض الدنيا، وسامحوا الملوك والولاة وحللوا لهم ما حرم الله وحرموا لهم ما حلل الله، وتوصلوا بهم إلى اغراضهم في الاعتداء على من حسدوه من اهل الصدق والتقوم، وكثر البغي بينهم فاستقر حالهم
٣٥٢
على مثل حالهم، وسلطت عليهم عقوبات مثل عقوباتهم، وتمادى ذلك فيهم منذ تبدلت الخلافة ملكاً إلى أن تضع الحرب اوزارها وتصير الملل كلها ملة واحدة ويرجع الافتراق إلى ألفة التوحيد، فكل من اقتطع واقتصر من هذه الشريعة المحمدية الجامعة للظاهر والباطن حظاً مختصاً من ظاهر او باطن ولم يجمع بينهما في علمه وحاله وعرفانه فهو بما لزم الظاهر الشرعي دون حقيقة باطنه من يهود هذه الأمة كالمقيمين لظاهر الأحوال الظاهر التي بها تستمر الدنيا على حسب مايرضى ملوك الوقت وسلاطينهم، المضيعين لأعمال السرائر، المنكرين لأحوال أهل الحقائق الشاهد عليهم تعلق خوفهم ورجائهم بأهل الدنيا، المؤثرين لعرض هذا الأدنى، فبهذا ظهرت أحوال اليهود في هذه الأمة، مر الأعراب مع النبي ﷺ بسدره خضراء نضرة، وكان لأهل الجاهلية سدره يعظمونها ويجتمعون عندها وينيطون بها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقالوا : يا سول الله! اجعل لنا هذه السدرة ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! فقال ﷺ :"قلتموها ورب الكعبة كما قالت بنو إسرائيل : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة! إنها السنن ".


الصفحة التالية
Icon