ولما كان كأنه قيل : ما نبأهم ؟قال :﴿أتتهم رسلهم﴾ أي أتى كل أمة منهم رسولها ﴿بالبينات﴾ أي المعجزات الواضحات جداً بسبب أنهم ارتكبوا من القبائح ما أوجب دمارهم ﴿فما﴾ أي فتسبب عن ذلك أنه ﴿ما﴾ ﴿كان الله﴾ أي مع ما له من صفات الكمال مريداً ﴿ليظلمهم﴾ أي لأن يفعل بهم في الإهلاك قبل الإنذار وإنارة البينات فعل من تعدونه فيما بينكم ظالماً، ولكنه أرسل إليهم الرسل فكذبوا ما أتوهم به من البينات، فصار العالم بحالهم غذا سمع بهلاكهم وبزوالهم يقول : ما ظلمهم الله ﴿ولكن كانوا﴾ أي دائماً في طول أعمارهم ﴿أنفسهم﴾ أي لاغيرها ﴿يظلمون*﴾ أي بفعل ما يسبب هلاكها، فإن لم ترجعوا أنتم فنحن نحذركم مثل عذابهم، ولعله خص هؤلاء بالذكر من بين بقية الأمم لما عند العرب من أخبارهم وقرب ديارهم من ديارهم مع أنهم كانوا أكثر الأمم عدداً، وأنبياؤهم أعظم الأنبياء-نبه على ذلك أبو حيان.
لعله قدم أصحاب مدين على قوم لوط وهم فيه بعدهم في الزمان لأن هذا في شأن من وصفوا بأنهم لم يجدوا ما يحميهم مما هم فيه من العذاب بمشاهدة النبي ﷺ من ملجأ أو مغارات أومدخل كما أن من قبل المؤتفكات جمعهم هذا الوصف، فقوم نوح عليه السلام لم يمنعهم لما أتاهم الماء معقل منيع ولا جبل رفيع مع أنه يقال ؛ إنهم هم الذين بنوا الأهرامات، منها ما هو بالحجارة ليمنعهم من الحادث الذي هددوا به إن كان ماء، ومنها ما هو بالطوب التي لتحميهم منه إن كان ناراً، وعادلما أتتهم الريح بادروا إلى البيوت فقلعت الأبواب وصرعتهم في أجواف بيوتهم، ولم يغنهم ما كانوا يبنون من المصانع المتقنة والقصور المشيدة والحصون الممنعة، وحال ثمود معروف في توسعهم في البيوت جبالاً وسهولاً فما منعتهم من الصيحة التي اعقبت الرجفة، وقوم إبرهيم عليه السلام بنوا الصرح، ارتفاعه خمسة آلاف ذراع او فرسخان ليتوصل به نمرود كما زعم-إلى السماء فأتى الله بنيانهم من القواعد، ألقت الريح رأسه في البحر