ولم ختم الآية بوصف العزة والحكمة المناسب لافتتاحها بالمولاة وتعقيبها بآية الجهاد، وذلك بعد الوعد بالرحمة إجمالاً، أتبعها بما هو أشد التئاماً بها بياناً للرحمة وتفصيلاً لها ترغيباً للمؤمنين بالإنعام عليهم بكل ما رامه المنافقون بناقهم في الحياة الدنيا، وزادهم بأنه دائم، وأخبر بأن ذلك هو الفوز لا غير فقال :﴿وعد الله﴾ أي الصادق الوعد الذي له الكمال كله ﴿المؤمنين والمؤمنات﴾ أى الراسخين في التصديق بكل ما أتاهم به الرسول ﷺ ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ أي فهى لا تزال خضرة ذات بهجة نضرة ؛ ولما كان النعيم لا يكمل إلا بالدوام، قال :﴿خالدين فيها﴾ كانت الجنان لا تروق إلا بالمنازل والدور الفسيحة والمعازل قال :﴿ومساكن طيبة﴾ ولما كان بعض الجنان أعلى من بعض، وكان أعلاها ما شرف بوصف العندية المؤذن بالقربمن بنائه مما يؤكد معنى الدوام، قال :﴿في جنات عدن﴾ أي إقامة دائمة وهناء وصحة جسم وطيب مقر وموطن ومنبت، وذلك كما قال في حق أضدادهم ﴿عذاب مقيم﴾ وما أنسب ذكر هذه الجنة في سياق التعبير بالوصف المؤذن بالرسوخ فإنه ورد في الحديث أنها خاصة بالنبيين والصديقيين والشهداء.
ولما كان ذلك لا يصفو عن الكدر مع
٣٥٩
تجويز نوع من الغضب قال مبتدئاً إشارة إلى نهى التعظيم - :﴿ورضوان﴾ أي رضى لا يبلغه وصف واصف بما تشير إليه صيغة المبالغة ولو كان على أدنى الوجوه بما أفاده التنوين - ﴿من الله﴾ أي الذي لا أعظم منه عندهم ﴿أكبر﴾ أى مطلقاً، فهو أكبر من ذلك كله لأن رضاه سببب كل فوز، ولا يقع السرور الذي هو اعظم النعيم إلا برضى السيد، وإذا كان القليل منه أكبر فما ظنك بالكثير.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٩