ولما كان الانتقام من الأعداء وإيقاع البأس ببهم لا يتوقف من القادر غالباً إلا على سماع اخبارهم والعلم بها، جرت سنته تعالى في ختم مثل بقوله :﴿والله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الكاملة ﴿سميع﴾ يسمع ما يقولون ﴿عليم*﴾ أي فهو يعلم ما يضرون عطفاً على نحو أن يقال : فالله على كل شيء قدير، ونحوه قوله ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٧٥
ولما افتتح الاية الثانية بقوله :﴿ومن الأعراب من يؤمن﴾ أى لا يزال يجدد إيمانه آثار الدين ﴿بالله واليوم الآخر﴾ علم ان القسم الول غير مؤمن بذلك، وإنما وقع منهم الإقرار باللسان من غير إذعان، والإيمان هو الأصل الذي يترتب عليه الإنفاق عن طيب نفس لما يرجى من ثوابه في اليوم الآخر الذي لولا هو انتفت الحكمة من هذا الخلق
٣٧٨
على هذا الترتيب : ثم عطف عليه ما يثمره الإيمان فقال :﴿ويتخذ﴾ أي يحث نفسه ويجاهدها أن عرضت له الوساوس الشيطانية على أن يعد ﴿ما ينفق﴾ أي فيما امر الله به ﴿قربات﴾ جمع قربة لما تقرب إليه سبحانه ﴿عند الله﴾ أى الذي وظيفته التبليغ فهو لا يقول لهم شيئاً إلا عن الله، واطلق القربة والصلاة على سببها.
ولما أخبر عن أفعالهم، أخبر عن عاقبتهم ومآلهم ؛ قال مستأنفاً محققاً لرجائهم ترغيباً في الصدقة بأبلغ تأكيد لما لأعدائهم من التكذيب :﴿ألا إنها﴾ أي نفقاتهم ﴿قربة لهم﴾ أي كما أرادوا ؛ ثم بين ثمرة كونها قربة بقوله :﴿سيدخلهم الله﴾ أي الذي له صفات الكمال بوعد لا خلف فيه ﴿في رحمته﴾ أي إكرامه فتكون محيطة بهم ثم علل ذلك بقوله معبراً بالاسم الأعظم تنبيهاً على انه لا يسع الإنسان إلا العفو وإن أعظم الاجتهاد :﴿إن الله﴾ أى الذي الذي لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره ﴿غفور﴾ أى بليغ الستر لقبائح من تاب ﴿رحيم*﴾ أي بليغ الإكرام، ذلك وصف له ثابت، يجلله كل من يستأهله.


الصفحة التالية
Icon